السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦٩ - باب الهجرة إلى المدينة
أشبه به من سائر صفات من وصفه: أي من الرجال، فقالت: أ ما علمتم أن نظر المرأة من الرجل أشفى من نظر الرجل إلى الرجل؟.
و في ربيع الأبرار للزمخشري عن هند بنت الجون «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما كان بخيمة خالتها أم معبد قام من رقدته، فدعا بماء فغسل يديه، ثم تمضمض و مجّ ذلك في عوسجة إلى جانب الخيمة فأصبحت و هي أعظم دوحة» أي شجرة ذات فروع كثيرة «و جاءت بثمر كأعظم ما يكون، في لون الورس، و رائحة العنبر، و طعم الشهد، ما أكل منها جائع إلا شبع، و لا ظمآن إلا روي، و لا سقيم إلا برىء، و لا أكل من ورقها بعير و لا شاة إلا درّ فكنا نسميها المباركة، فأصحبنا في يوم من الأيام و قد سقط ثمرها و اصفر ورقها ففزعنا لذلك، فما راعنا إلا نعي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» قال:
و العجب كيف لم يشتهر أمر هذه الشجرة كما اشتهر أمر الشاة.
و عن أم معبد أنها قالت: مرّ علي خيمتي غلام سهيل بن عمرو و معه قربتان، فقلت ما هذا؟ قال: إن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كتب إلى مولاي: يستهديه ماء زمزم فأنا أعجل السير كي لا تنشف القرب، أي فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) كتب إلى سهيل بن عمرو «إن جاءك كتابي ليلا فلا تصبحن، أو نهارا فلا تمسين حتى تبعث إليّ من ماء زمزم» فجاء بقربتين فملأهما من ماء زمزم و بعث بهما على بعير مولاه أزهر» و لا زال كفار قريش بمكة لا يعلمون أين توجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر حتى سمعوا هاتفا يذكرهما و يذكر أم معبد في أبيات، منها:
جزى اللّه رب الناس خير جزائه* * * رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم ترحلا* * * فأفلح من أمسى رفيق محمد
فعلموا توجهه ليثرب: أي و في طريق اليمن محل يقال له الدهيم و بئر أم معبد، قال بعضهم: و ليست بأم معبد التي نزل بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما هاجر إلى المدينة.
و يجوز أن يكون الخبر الذي وصل إليهم في اليوم الثاني من خروجه من الغار هو قول هذا الهاتف أو عقبه من شخص رآهم، و إلى قول الهاتف أشار صاحب الهمزية بقوله:
و تغنت بمدحه الجن حتى* * * أطرب الإنس منه ذاك الغناء
أي و أظهرت الجن أوصافه (صلى اللّه عليه و سلم) الحميدة في صورة الغناء الذي تتولع به النفس حتى أطرب ذلك الغناء الإنس حيث سمعوه، و أما قول بعضهم إنهم علموا ذلك من هاتف هتف بقوله:
إن يسلم السعدان يصبح محمد* * * من الأمر لا يخشى خلاف المخالف
فقالوا: السعود سعد بن بكر و سعد بن زيد مناة، و سعد هديم، فلما كانت