السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦٢ - باب الهجرة إلى المدينة
و في رواية «أنه لما لحق بهم قال (صلى اللّه عليه و سلم): اللهم اصرعه فصرع عن فرسه، فقال:
يا نبي اللّه مرني بما شئت، قال: تقف مكانك لا تتركنّ أحدا يلحق بنا».
ثم لا يخفى أن صرعه عن فرسه يحتمل أن يكون لما ساخت. و يحتمل أنه صرع عنها قبل ذلك و هو ظاهر سياق الرواية الأولى و هي: فعثرت بي فرسي فخررت عنها. و حينئذ يكون عثورها بدعائه (صلى اللّه عليه و سلم)، و اللّه أعلم.
قال سراقة «فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، لأنه وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)».
و في السبعيات «قال سراقة: يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر أمرك في العالم؛ و تملك رقاب الناس، فعاهدني أني إذا أتيتك يوم ملكك فأكرمني، فأمر عامر بن فهيرة، أي و قيل أبا بكر فكتب لي في رقعة من أدم، أي و قيل في قطعة من عظم، و قيل في خرقة».
اقول: و حينئذ يمكن أن يكون كتب عامر بن فهيرة أولا فطلب سراقة أن يكون أبو بكر هو الذي يكتب، فأمره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بكتابة ذلك، فأحدهما كتب في الرقعة من الأدم، و الآخر كتب في العظم أو الخرقة. أو المراد بالخرقة الرقعة من الأدم، فلا مخالفة.
«و لما أراد الانصراف قال له: يكف بك يا سراقة إذا تسورت بسواري كسرى؟
قال كسرى بن هرمز؟ قال نعم» و سيأتي أن سراقة أسلم بالجعرانة، و لما قدم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بها قال له مرحبا بك.
و عن سراقة «لما فرغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من حنين و الطائف خرجت و معي الكتاب لألقاه، فلقيته بالجعرانة، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونني بالرماح و يقولون إليك، ما ذا تريد؟ قال: فدنوت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو على ناقته، فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت: يا رسول اللّه هذا كتابي و أنا سراقة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يوم وفاء و بشر، أدنه، فدنوت منه و أسلمت».
و لما جيء لعمر رضي اللّه تعالى عنه في زمن خلافته بسواري كسرى و تاجه و منطقته أي و بساطه و كان ستين ذراعا في ستين ذراعا، منظوما باللؤلؤ و الجواهر الملونة على ألوان زهر الربيع، كان يبسط له في إيوانه و يشرب عليه إذا عدمت الزهور- و جيء له بمال كثير من مال كسرى و بنات كسرى و كنّ ثلاثا و عليهنّ الحليّ و الحلل و الجواهر ما يقصر اللسان عن وصفه. و عند ذلك دعا سراقة و قال: ارفع يديك و ألبسه السوارين و قال له: قل الحمد للّه الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول: أنا رب الناس، و ألبسهما سراقة بن مالك: أي و رفع عمر بها صوته