السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦٠ - باب الهجرة إلى المدينة
بمحل كذا و كذا فخذا منهما ما شئتما، فقالا: اكفنا نفسك، فقال: كفيتماهما».
أقول: و في رواية قال له (صلى اللّه عليه و سلم) «يا سراقة إذا لم ترغب في دين الإسلام فإني لا أرغب في إبلك و مواشيك». و في رواية عن أبي بكر رضي اللّه عنه، قال «لما أدركنا سراقة، قلت: يا رسول اللّه هذا الطلب قد لحقنا قال لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: الآية ٤٠] أي و قد تقدم أنه قال ذلك له في الغار فلما، كان بيننا و بينه قيد: أي مقدار رمح أو ثلاثة، قلت: يا رسول اللّه هذا الطلب قد لحقنا و بكيت، قال: لم تبكي؟ قلت: أما و اللّه ما على نفسي أبكي، و لكن أبكي عليك، فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: اللهم اكفناه بما شئت، فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها و كانت الأرض صلبة» أي و لا يخالف ما سبق أنها بلغت الركبتين، لجواز أن يكون ذلك في أوّل أمرها، ثم صارت إلى بطنها، و ذلك كله في المرة الأولى، فلا يخالف ما في الإمتاع «لما قرب من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ساخت يدا فرسه في الأرض إلى بطنها، فقال: ادع لي يا محمد أن يخلصني اللّه تعالى و لك عليّ أن أرد عنك الطلب، فدعا فخلص فعاد فتبعهم، فساخت قوائم فرسه في الأرض أشد من الأولى، فقال: يا محمد قد علمت أن هذا من دعائك عليّ» الحديث إذ هو يدل على أنها في المرة الأولى وصلت إلى بطنها؛ و في الثانية وصلت إلى ما هو زائد على ذلك. و قد يدل له ما يأتي عن الهمزية، و لعل المراد أنه دخل جزء من بطنها في الأرض في المرة الثانية. و في لفظ «فقال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك، فادع اللّه ينجيني مما أنا فيه، فو اللّه لأعمينّ على من ورائي من الطلب، فدعا له فانطلق راجعا».
و في السبعيات للهمداني «أن سراقة لما دنا منه (صلى اللّه عليه و سلم) صاح و قال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يمنعني الجبار الواحد القهار، و نزل جبريل (عليه السلام) و قال: يا محمد إن اللّه عز و جل يقول: جعلت الأرض مطيعة لك فأمرها بما شئت، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا أرض خذيه فأخذت الأرض أرجل جواده إلى الركب، فساق سراقة فرسه فلم يتحرك، فقال: يا محمد الأمان و عزة العزى لو أنجيتني لأكونن لك لا عليك، فقال: يا أرض أطلقيه فأطلقت جواده».
و روي في بعض التفاسير أن سراقة عاهد سبع مرات ثم ينكث العهد، و كلما ينكث العهد تغوص قوائم فرسه في الأرض؛ و هذا أي الاقتصار على غوص قوائم فرسه في الأرض لا ينافي الزيادة، فلا يخالف ما سبق، و في السابغة تاب توبة صدق.
و في الفصول المهمة «لما اتصل خبر مسيره (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة و ذلك في اليوم الثاني من خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) من الغار جمع الناس أبو جهل و قال: بلغني أن محمدا قد مضى نحو يثرب على طريق الساحل و معه رجلان آخران، فأيكم يأتيني بخبره فوثب