السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٥٤ - غزوة بني قريظة
الصالح قبره حتى فرجه اللّه عنه».
و جاء «إن بعض أهل سعد رضي اللّه عنه سئل: ما بلغكم من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» أي في سبب تضايق القبر على سعد كما يرشد إليه جوابهم بقولهم، فقالوا: ذكر لنا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سئل عن ذلك، فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول بعض التقصير» و هذا قد يخالف ما في الخصائص الصغرى: و خص رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأنه لا يضغط في قبره و كذلك الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و لم يسلم من الضغطة صالح و لا غيره سواهم، و كذا ما في التذكرة للقرطبي إلا فاطمة بنت أسد ببركته (صلى اللّه عليه و سلم)، أي حيث اضطجع (صلى اللّه عليه و سلم) في قبرها. و يحتاج للجمع بينه و بين ما في الخصائص.
و جاء عن عائشة رضي اللّه عنها «أنها قالت: يا رسول اللّه ما انتفعت بشيء منذ سمعتك تذكر ضغطة القبر و ضمته، فقال: يا عائشة إن ضغطة القبر على المؤمن كضمة الأم الشفيقة يديها على رأس ابنها يشكو إليها الصداع، و ضرب منكر و نكير عليه كالكحل في العين، و لكن يا عائشة ويل للشاكين الكفارين، أولئك الذين يضغطون في قبورهم ضغطا يقبض على الصخر» أي و حينئذ يكون المراد بالمؤمن الذي هذا شأنه الذي لم يحصل منه تقصير، فلا ينافي ما تقدم عن سعد فليتأمل. و قد روى البيهقي (رحمه اللّه) «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) حمل جنازة سعد بن معاذ رضي اللّه عنه بين العمودين» و به استدلّ أئمتنا على أن ذلك أفضل من حمل الجنازة بالتربيع الذي اعتاده الناس الآن «و مشى (صلى اللّه عليه و سلم) أمام جنازته، ثم صلى عليه. و جاءت أمه رضي اللّه عنها و نظرت إليه في اللحد، و قالت: أحتسبك عند اللّه؛ و عزاها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو واقف على قدميه على القبر، فلما سوى التراب على قبره رش عليه الماء، ثم وقف (صلى اللّه عليه و سلم) و دعا ثم انصرف و ناحت عليه أمه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): كل نائحة تكذب إلا نائمة سعد بن معاذ رضي اللّه عنه». أي فإنه رضي اللّه عنه موصوف بكل ما يقال فيه من الأوصاف الحسنة، بخلاف غيره.
و بعث صاحب دومة الجندل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بجبة من سندس كما سيأتي، فجعل أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و رضي عنهم يعجبون من تلك الجبة. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن» يعني من هذا، و من المعلوم أن المنديل أدنى الثياب، لأنه معد للامتهان، فثيابه رضي اللّه عنه في الجنة أعلى و أغلى. و قد وهب (صلى اللّه عليه و سلم) تلك الجبة لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و نزلت توبة أبي لبابة رضي اللّه عنه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو في بيت أم سلمة رضي اللّه عنها. قالت أم سلمة: فسمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من السحر يضحك. قالت: فقلت ممّ تضحك يا رسول اللّه أضحك اللّه سنك؟ قال: تيب على أبي لبابة. قالت: قلت أ فلا أبشره يا رسول اللّه؟ قال بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها. قيل و ذلك قبل أن يضرب