السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣٩ - غزوة الخندق
عدم الوصال حتى يحتاج إلى شد الحجر على بطنه. قال: و إنما لفظ الحديث الحجز بالزاي، و هو طرف الإزار فصحفوا و زادوا لفظ «من الجوع».
و أجيب بأنه لا منافاة، كان (صلى اللّه عليه و سلم) يطعم و يسقى إذا واصل في الصوم: أي يصير كالطاعم و الساقي تكرمة له، و لا يحصل له ذلك دائما، بل يحصل له الجوع في بعض الأحايين على وجه الابتلاء الذي يحصل للأنبياء عليهم الصلاة و السلام تعظيما لثوابهم و اللّه أعلم.
و إن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما لما علم ما به (صلى اللّه عليه و سلم) من شدّة الجوع صنع شويهة و صاعا من شعير. قال جابر: و إنما أريد أن ينصرف معي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) وحده. فلما قلت له أمر صارخا، فصرخ أن انصرفوا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى بيت جابر بن عبد اللّه. قال جابر: فقلت إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: الآية ١٥٦] فأقبل الناس معه: أي بعضهم، فجلس (صلى اللّه عليه و سلم) فأخرجناها إليه، فبرّك ثم سمى اللّه تعالى، ثم أكل، و تواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا، أي و ذهبوا إلى الخندق و جاء آخرون، حتى صدر أهل الخندق عنها و هم ألف، فأقسم باللّه لقد أكلوا حتى تركوه و انصرفوا، و إن برمتنا لتغط كما هي، و إن عجيننا ليخبز كما هو.
قال: و في رواية «أن جابرا رضي اللّه تعالى عنه لما رأى ما به (صلى اللّه عليه و سلم) من الجوع استأذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الانصراف إلى بيته، فأذن له. قال جابر: فجئت لامرأتي و قلت لها: إني رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خمصا شديدا أ فعندك شيء؟ قالت: عندي صاع من شعير و عناق، فذبحت العناق، و طحنت الشعير و جعلت اللحم في برمة، فلما أمسينا، جئت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فساورته و قلت له: طعيم لي، فقم أنت يا رسول اللّه و رجل أو رجلان، فشبك (صلى اللّه عليه و سلم) أصابعه في أصابعي، و قال: كم هو؟ فذكرت له، قال:
كثير طيب، لا تنزلن برمتكم و لا تخبزن عجينكم حتى أجيء، و صاح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سؤارا» أي ضيافة «فحيهلا بكم: أي سيروا مسرعين، و سار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقدم الناس. قال جابر رضي اللّه عنه: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا اللّه، و اللّه إنها لفضيحة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ادخلوا عشرة عشرة، أي بعد أن أخرجت له عجيننا فبصق فيه و بارك، ثم عمد (صلى اللّه عليه و سلم) إلى برمتنا و بصق فيها و بارك» الحديث. أي و مجيء القوم كان على الوجه المتقدم «و إن أم عامر الأشهلية أرسلت بقصعة فيها حيس إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو في القبة عنده أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها، فأكلت أم سلمة حاجتها، ثم خرج بالقصعة، و نادى منادي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): هلموا إلى عشائه، فأكل أهل الخندق حتى نهلوا منها و هي كما هي».
و قد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني (رحمه اللّه) و نفعنا ببركاته أنه قدّم لأربعة