السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣٨ - غزوة الخندق
فقالت: إن الحرائر لا تهب بالليل، فغضب اللّه عليها فجعلها عقيما، و يقال لها الدبور. فكان نصره (صلى اللّه عليه و سلم) بالصبا. و كان إهلاك عاد بالدبور، و هي الريح الغربية.
و حين انجلاء الأحزاب قال (صلى اللّه عليه و سلم) «الآن نغزوهم و لا يغزونا» و الصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لسبع ليال من ذي القعدة، أي بناء على أنها كانت في القعدة و هو قول ابن سعد.
و قيل كانت في شوال و كان ذلك سنة خمس، أي كما قاله الجمهور. قال الذهبي:
و هو المقطوع به، و قال ابن القيم: إنه الأصح. و قال الحافظ ابن حجر: هو المعتمد. و قيل سنة أربع، و صححه الإمام النووي في الروضة. قال بعضهم: و هو عجيب، فإنه صحح أن غزوة بني قريظة كانت في الخامسة، و معلوم أنها كانت عقب الخندق.
أي و فيه أنه يجوز أن تكون بنو قريظة أوائل الخامسة، و الخندق أواخر الرابعة، فتكون في ذي الحجة. و استدل من قال إن الخندق كانت سنة أربع بما صح عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه عرض على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم أحد و هو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، ثم عرض عليه يوم الخندق و هو ابن خمس عشرة سنة فأجازه، فيكون بينهما سنة واحدة، أي و كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق سنة أربع.
قال الحافظ ابن حجر: و لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ابن عمر رضي اللّه عنهما في أحد كان أول ما طعن في الرابعة عشرة، و كان في الأحزاب قد استكمل الخمسة عشرة، و سبقه إلى ذلك البيهقي. و حينئذ يكون بين أحد و الخندق سنتان كما هو الواقع لا سنة واحدة.
و مما وقع من الآيات في هذه الغزوة في مدة حفر الخندق غير ما تقدم: أن بنت بشير بن سعد جاءت لأبيها و خالها: أي عبد اللّه بن رواحة بحفنة من التمر ليتغذيا بها، فقال لها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): هاتيه، فصبته في كفي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فما ملأهما، ثم أمر بثوب فبسطت له، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه. و جعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، و إنه ليسقط من أطراف الثوب؛ أي فإن أهل الخندق أصابهم مجاعة. قال بعض الصحابة: «لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق زادا، و ربط (صلى اللّه عليه و سلم) الحجر على بطنه من الجوع».
أقول: أورد ابن حبان في صحيحه لما أورد الحديث الذي فيه نهيه (صلى اللّه عليه و سلم) عن الوصال، و قالوا له ما لك تواصل يا رسول اللّه: قال «إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني».
قال: يستدل بهذا الحديث على بطلان ما ورد أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يضع الحجر على بطنه من الجوع، لأنه كان يطعم و يسقى من ربه إذا واصل، فكيف يترك جائعا مع