السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣٣ - غزوة الخندق
الشهر، فإن في ذلك اليوم ولد فرعون و ادعى الربوبية و أهلكه اللّه فيه، و هو اليوم الذي أصيب فيه أيوب عليه الصلاة و السلام بالبلاء.
قال: و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يختلف إلى ثلمة في الخندق. و الثلمة: الخلل في الحائط فعن عائشة رضي اللّه عنه قالت: كان (صلى اللّه عليه و سلم) يذهب إلى تلك الثلمة، فإذا أخذه البرد جاء فأدفأته في حضني، فإذا دفىء خرج إلى تلك الثلمة و يقول: ما أخشى أن تؤتي المسلمون إلا منها، فبينما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في حضني صار يقول «ليت رجلا صالحا يحرس هذه الثلمة الليلة، فسمع صوت السلاح، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): من هذا؟ فقال سعد بن أبي وقاص: سعد، يا رسول اللّه أتيتك أحرسك، فقال عليك هذه الثلمة فاحرسها، و نام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى غط، و قام (صلى اللّه عليه و سلم) في قبته يصلي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» و من ثم لما نعي لابن عباس أخوه قثم و هو في سفر استرجع و تنحى عن الطريق و صلى ركعتين أطال فيهما الجلوس و تلا وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ [البقرة: الآية ٤٥].
ثم خرج (صلى اللّه عليه و سلم) من قبته، فقال: هذه خيل المشركين تطيف بالخندق، ثم نادى (صلى اللّه عليه و سلم): يا عباد بن بشر، قال: لبيك؛ قال هل معك أحد، قال: نعم أنا في نفر حول قبتك يا رسول اللّه، و كان ألزم الناس لقبة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يحرسها، فبعثه (صلى اللّه عليه و سلم) يطيف بالخندق، و أعلمه بأن خيل المشركين تطيف بهم. ثم قال: اللهم ادفع عنا شرهم، و انصرنا عليهم، و اغلبهم لا يغلبهم غيرك. و إذا أبو سفيان في خيل يطوفون بمضيق من الخندق، فرماهم المسلمون حتى رجعوا.
ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أي ليلا، فقال: يا رسول اللّه إني أسلمت، و إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. قال و في رواية أن نعيما لما سارت الأحزاب سار مع قومه: أي غطفان و هو على دينهم، فقذف اللّه في قلبه الإسلام، فخرج حتى أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين المغرب و العشاء فوجده يصلي، فلما رآه جلس. ثم قال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): ما جاء بك يا نعيم؟ قال:
جئت أصدقك، و أشهد أن ما جئت به حق فأسلم انتهى. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة بفتح الخاء و سكون الدال المهملة: أي ينقضي أمرها بالمخادعة. فقال له نعيم: يا رسول اللّه إني أقول: أي ما يقتضيه الحال و إن كان خلاف الواقع. قال: قل ما بدا لك فأنت في حل.
فخرج نعيم رضي اللّه عنه حتى أتى بني قريظة، و كان لهم نديما. قال: فلما رأوني رحبوا بي و عرضوا علي الطعام و الشراب. فقلت: إني لم آت لشيء من هذا، إنما جئتكم تخوفا عليكم لأشير عليكم برأي، يا بني قريظة قد عرفتم و دي إياكم و خاصة ما بيني و بينكم، قالوا: صدقت، ليست عندنا بمتهم. فقال لهم: اكتموا