السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣١ - غزوة الخندق
القتال أن الشمس ردت له (صلى اللّه عليه و سلم) بعد ما غربت حين شغل عن صلاة العصر حتى صلى العصر، و ذكر الإمام النووي في شرح مسلم أن رواته ثقات.
و في البخاري عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه «أنه جاء يوم الخندق بعد ما كادت الشمس تغرب، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): و اللّه ما صليتها- يعني العصر- فنزلنا مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بطحان فتوضأ للصلاة و توضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» و هذه الرواية تقتضي أنه لم يفته إلا العصر و أنه صلاها بعد الغروب.
قال الإمام النووي (رحمه اللّه): و طريق الجمع أن هذا كان في بعض أيام الخندق، و كون صلاة العصر هي الوسطى قد جاء في بعض الروايات «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غابت الشمس، ملأ اللّه أجوافهم» و في لفظ «بطونهم و قبورهم نارا» و الذي في البخاري و مسلم و أي داود و النسائي و الترمذي و قال حسن صحيح «ملأ اللّه عليهم بيوتهم و قبورهم نارا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس» و كون الوسطى هي صلاة العصر هو قول من تسعة عشر قولا ذكرها الحافظ الدمياطي في مؤلف له سماه [كشف الغطا عن الصلاة الوسطى] و في الينبوع أن كون الصلاة الوسطى هي العصر هو الذي أعتقده و اللّه أعلم.
قال و جاء «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى المغرب، فلما فرغ قال: أحد منكم علم أني صليت العصر؟ قالوا: يا رسول اللّه ما صلينا» أي لا نحن و لا أنت «فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر ثم أعاد المغرب» قيل و كان ذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [البقرة: الآية ٢٣٩] ا ه.
أقول: يحتاج إلى الجواب عن إعادة المغرب. و قد يقال: أعادها مع الجماعة، و أن قوله فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [البقرة: الآية ٢٣٩] يرشد إلى أن المراد بصلاة الخوف صلاة شدته لا صلاة ذات الرقاع التي نزل فيها قوله تعالى وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء: الآية ١٠٢] الآية كما تقدم، فلا ينافي ما تقدم من صلاته في الرقاع بناء على تقدمها على هذه الغزوة التي هي غزوة الخندق.
و حينئذ يندفع الاستدلال على أن ذات الرقاع متأخرة عن الخندق بقولهم و لم تكن شرعت صلاة الخوف: أي صلاة ذات الرقاع، و إلا لصلاها في الخندق، و لم يخرج الصلاة عن وقتها لما علمت أن المراد بصلاة الخوف التي لم تشرع زمن الخندق صلاة شدته لا صلاة ذات الرقاع. و سقط القول بأن الآية التي نزلت في صلاة ذات الرقاع منسوخة، فتركه (صلى اللّه عليه و سلم) تلك الصلاة في الخندق، لأن الخندق و إن لم يلتحم فيه القتال إلا أنهم لا يأمنون هجوم العدوّ عليهم، فلو صلوها لكانت تلك الصلاة صلاة شدة الخوف لا صلاة ذات الرقاع، لأن شرطها أمن هجوم العدو،