السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٩ - غزوة الخندق
اللّه وجهه له في الخندق غريب من وجهين فليتأمل.
و حمل الزبير رضي اللّه عنه على هبيرة بن أبي وهب و هو زوج أم هانئ أخت علي بن أبي طالب كما تقدم، فضرب ثغر فرسه فقطعه، و سقطت درع كان محقبها الفرس: أي جعلها على مؤخر ظهرها، فأخذها الزبير، و ألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه و هو منهزم انتهى.
أي و في رواية: ثم حمل ضرار بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و هبيرة بن أبي وهب على علي (كرم اللّه وجهه) فأقبل عليّ عليهما فأما ضرار فولى هاربا و لم يثبت، و أما هبيرة فثبت ثم ألقى درعه و هرب و كان فارس قريش و شاعرها.
و ذكر أن ضرار بن الخطاب لما هرب تبعه أخوه عمر بن الخطاب و صار يشتد في أثره، فكر ضرار راجعا و حمل على عمر رضي اللّه عنه بالرمح ليطعنه ثم أمسك و قال: يا عمر هذه نعمة مشكورة أثبتها عليك و يدلي عندك غير مجزيّ بها فاحفظها.
أي و وقع له مع عمر رضي اللّه عنه مثل ذلك في أحد، فإنه التقى معه، فضرب عمر رضي اللّه عنه بالقناة ثم رفعها عنه و قال له: ما كنت لأقتلك يا ابن الخطاب، ثم منّ اللّه على ضرار فأسلم و حسن إسلامه، و كان شعار المسلمين «حمّ لا ينصرون» أي و لعل المراد بالمسلمين الأنصار، فلا يخالف ما في الإمتاع، و كان شعار المهاجرين «يا خيل اللّه».
و فيه خرجت طائفتان للمسلمين ليلا لا يشعر بعضهم ببعض، و لا يظنون إلا أنهم العدوّ فكانت بينهم جراحة و قتل ثم نادوا بشعار الإسلام «حمّ لا ينصرون» فكف بعضهم عن بعض.
و قد يقال: يجوز أن تكون الطائفتان كانتا من الأنصار جاءوا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «جراحكم في سبيل اللّه، و من قتل فهو شهيد» و بهذا استدل أئمتنا على أن من قتله مسلم خطأ في الحرب يكون شهيدا.
و رمي سعد بن معاذ بسهم قطع أكحله: و هو عرق في الذراع تتشعب منه عروق البدن، و لعله محل الفصد الذي يقال له المشترك، أي و يقال لهذا العرق عرق الحياة. أي رماه ابن العرقة اسم جدّته، سميت بذلك لطيب عرقها، و قال خذها و أنا ابن العرقة، فلما بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك قال: عرّق اللّه وجهه في النار، و قيل قائل ذلك سعد رضي اللّه عنه، و عند ذلك قال سعد: اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا و بينهم يعني قريشا فاجعلها لي شهادة و لا تمتني حتى تقرّ عيني. و في لفظ: حتى تشفيني من بني قريظة، و في لفظ: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك و أخرجوه و كذبوه.