السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٥ - غزوة الخندق
ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلما أيست منه أخذت عمودا و نزلت ففتحت باب الحصن و أتيته من خلفه فضربته بالعمود حتى قتلته، و صعدت الحصن فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. فقال: يا بنة عبد المطلب ما لي بسلبه حاجة. أي و هذا يدل على ما قيل إن حسان بن ثابت كان من أجبن الناس كما تقدم. قال عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما: فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا. فلما رجعت، قلت يا أبت رأيتك تختلف إلى بني قريظة. قال: رأيتني يا بني؟ قلت نعم. قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فلما رجعت جمع لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبويه. فقال: فداك أبي و أمي أخرجه الشيخان.
أي و في كلام ابن عبد البر (رحمه اللّه) ثبت عن الزبير رضي اللّه عنه أنه قال:
جمع لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبويه مرتين: يوم أحد، و يوم بني قريظة، فقال: ارم فداك أبي و أمي. و قال و لعل ذلك كان في أحد «إن لكل نبي حواريا، و إن حواريّ الزبير» و قال «الزبير ابن عمتي و حواري من أمتي» و يذكر أن الزبير رضي اللّه عنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج. و كان يتصدق بذلك كله و لا يدخل بيته من ذلك درهما واحدا و ذلك من أعلام نبوّته (صلى اللّه عليه و سلم). فقد جاء أنه لما نزل قوله تعالى ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) [التكاثر: الآية ٨] قال له الزبير: يا رسول اللّه أي نعيم نسأل عنه، و إنما هما الأسودان التمر و الماء؟ قال: أما إنه سيكون، و قد جعله سبعة من الصحابة وصيا على أولادهم، فكان يحفظ على أولادهم ما لهم و ينفق عليهم من ماله، و هؤلاء السبعة: منهم عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف، و المقداد، و ابن مسعود.
و عظم عند ذلك البلاء على المسلمين لما وصل إليهم الخبر: أي خبر نقض بني قريظة العهد. و لا منافاة بين بلوغهم الخبر و ما تقدم من عدم الإفصاح به، لأنهم جاءهم عدوهم من فوقهم و من أسفل منهم، حتى ظن المسلمون كل الظن، و أنزل اللّه تعالى إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] و ظهر النفاق من المنافقين حتى قال بعضهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى و قيصر و أحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا اللّه و رسوله إلا غرورا، فأنزل اللّه تعالى وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (١٢) [الأحزاب: الآية ١٢].
و لما رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) شدة الأمر بعث إلى عيينة بن حصن الفزاري و إلى الحارث بن عوف المري في أن يقطعهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه. فجاءا مستخفيين من أبي سفيان فوافقاه على ذلك، أي بعد أن طلبا النصف فأبى عليهما إلا الثلث، فرضيا و كتبا بذلك صحيفة.