السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٤ - غزوة الخندق
الصحيفة التي كان فيها العقد، و جمع رؤساء قومه و هم الزبير بن مطا، و شاس بن قيس، و عزال بن ميمون، و عقبة بن زيد، و أعلمهم بما صنع من نقض العهد و شق الكتاب الذي كتبه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلجم الأمر لما أراد اللّه من هلاكهم. و كان حيي بن أخطب في اليهود يشبه بأبي جهل في قريش.
فلما انتهى الخبر بذلك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي أخبره بذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. فقال: يا رسول اللّه بلغني أن بني قريظة قد نقضت العهد و حاربت، فاشتدّ الأمر على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و شق عليه ذلك. و أرسل سعد بن معاذ سيد الأوس و سعد بن عبادة سيد الخزرج، و أرسل معهما ابن رواحة و خوات بن جبير. و أسقطهما في الإمتاع و ذكر بدلهما أسيد بن حضير. و قال لهم: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم، فإن كان حقا فالحنوا إليّ لحنا أعرفه دون القوم، أي ورّوا و كنوا في كلامكم بما لم يفهمه القوم، أي لئلا يحصل لهم الوهن و الضعف، و إلا فاجهروا بذلك بين الناس. فإن اللحن العدول بالكلام عن الوجه المعروف عند الناس إلى وجه لا يعرفه إلا صاحبه؛ كما أن اللحن الذي هو الخطأ عدول على الصواب المعروف، و منه قول القائل «و خير الحديث ما كان لحنا» فخرجوا حتى أتوا بني قريظة فوجدوهم قد نقضوا العهد و نالوا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي قالوا من رسول اللّه؟
تبرءوا من عقده و عهده، و قالوا لا عهد بيننا و بين محمد، فشتمهم سعد بن معاذ و هم حلفاؤه، أي و قيل سعد بن عبادة أي و كان فيه حدة و شاتموه أي و لا مانع من وجود الأمرين. و قال سعد بن معاذ لسعد بن عبادة: أو بالعكس؟ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا و بينهم أربى، أي أقوى من المشاتمة. ثم أقبل السعدان و من معهما إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فكنوا له عن نقضهم العهد، أي قالوا عضل و القارة: غدروا كغدر عضل و القارة بأصحاب الرجيع، و سيأتي خبر ذلك في السرايا. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
اللّه أكبر، أي و قال: أبشروا يا معاشر المسلمين نصرة اللّه تعالى و عونه، و تقنع (صلى اللّه عليه و سلم) بثوبه و اضطجع و مكث طويلا، فاشتدّ على الناس البلاء و الخوف حين رأوه (صلى اللّه عليه و سلم) اضطجع ثم رفع رأسه، فقال: أبشروا بفتح اللّه و نصره، أي و لعل هذا: أي إرسال السعدين و من معهما كان بعد إرساله (صلى اللّه عليه و سلم) الزبير إليهم ليأتي بخبرهم، هل نقضوا العهد استثباتا للأمر.
فعن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما. قال: كنت يوم الأحزاب أنا و عمرو بن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان بن ثابت. أي و كان حسان مع النساء، و من جملتهم صفية بنت عبد المطلب، و اتفق أن يهوديا جعل يطوف بذلك الحصن.
فقالت صفية لحسان: يا حسان لا آمن هذا اليهودي أن يدلهم على عورة الحصن فيأتوا إلينا، فانزل فاقتله. قال حسان رضي اللّه عنه: يا بنت عبد المطلب قد عرفت