السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١٨ - غزوة الخندق
كان ارتد بعد إسلامه، ثم حسن إسلامه، و كانت أشجع و بنو أسد تتمة العشرة آلاف.
فقد قال بعضهم: كانت الأحزاب عشرة آلاف، و هم ثلاث عساكر، و ملاك أمرها لأبي سفيان: أي المدبر لأمرها و القائم بشأنها.
و لما تهيأت قريش للخروج أتى ركب من خزاعة في أربعة ليال حتى أخبروا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بما أجمعوا عليه ندب الناس: أي دعاهم، و أخبرهم خبر عدوهم، و شاورهم في أمرهم، أي قال لهم: هل نبرز من المدينة أن نكون فيها؟ فأشير عليه بالخندق، أي أشار عليه بذلك سلمان الفارسي رضي اللّه عنه. فقال: يا رسول اللّه إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا، أي فإن ذلك كان من مكائد الفرس، و أول من فعله من ملوك الفرس ملك كان في زمن موسى بن عمران (صلوات اللّه و سلامه عليه)، فأعجبهم ذلك، فضرب على المدينة الخندق.
أي و عند ذلك ركب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فرسا له و معه عدة من المهاجرين و الأنصار، فارتاد موضعا ينزل له، و جعل سلعا خلف ظهره، و أمرهم بالجد و وعدهم بالنصر إن هم صبروا. فعمل فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع المسلمين، أي و حمل التراب على ظهره الشريف، و دأب المسلمون يبادرون قدوم العدو. قال: و استعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي و كرارين و مكاتل، و كان من جملة من يعمل في الخندق جعال أو جعيل بن سراقة؛ و كان رجلا دميما قبيح الوجه، صالحا من أصحاب الصفة. و هو الذي تمثل به الشيطان يوم أحد، و قال إن محمدا قد قتل كما تقدم، فغير (صلى اللّه عليه و سلم) اسمه و سماه عمرا، فجعل المسلمون يرتجزون و يقولون:
سماه من بعد جعيل عمرا* * * و كان للبائس يوما ظهرا
و صار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذا قالوا عمرا قال عمرا، و إذا قالوا ظهرا قال ظهرا انتهي، أي و سياق أسد الغابة يدل على أن هذا الذي غير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اسمه و سماه عمرا غير جعيل المذكور، و حصل للصحابة رضي اللّه عنهم تعب و جوع لأنه كان في زمن عسرة و عام مجاعة.
و لما رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما بأصحابه من النصب و الجوع قال متمثلا بقول ابن رواحة رضي اللّه عنه:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة* * * فارحم الأنصار و المهاجرة
قيل: و إنما قال ابن رواحة لا هم إن العيش من غير ألف و لام فقد غيره (صلى اللّه عليه و سلم) على ما هو عادته كما تقدم، و في لفظ:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة* * * فبارك في الأنصار و المهاجرة