السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٧ - غزوة ذات الرقاع
تقدم عن البخاري، بل رواه بالمعنى، فقال: روينا في صحيح البخاري من حديث أبي موسى رضي اللّه عنه أنهم نقبت أقدامهم، فلفوا عليها الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع. قال: و جعله: أي البخاري حديث أبي موسى هذا حجة على أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر، لأن أبا موسى إنما قدم في خيبر لا دلالة فيه على ذلك، أي لأنه يجوز أن يكون قول أبي موسى رضي اللّه عنه إنهم نقبت أقدامهم:
يعني الصحابة، فيكون هذا مما رواه أبو موسى عمن شاهد الوقعة من الصحابة. و فيه أن هذا لا يأتي مع قول البخاري عن أبي موسى «فنقبت قدماي و سقطت أظفاري» إذ هو صريح في أن أبا موسى رضي اللّه عنه حضرها، و الأصل تبع في تقديمها على خيبر شيخه الدمياطي، و تابعه أيضا في رواية ما تقدم عن البخاري بالمعنى. و نظر الدمياطي في رواية أبي موسى: أي التي في البخاري التي رواها عنه بالمعنى، بأنها مخالفة لما عليه أهل المغازي من تقديمها على خيبر.
قال الحافظ ابن حجر: و ادعى الدمياطي غلط الحديث الصحيح، و أن جميع أهل السير على خلافه، و الاعتماد على ما في الصحيح أي من تأخيرها على خيبر أولى، لأن أصحاب المغازي مختلفون في زمانها. قال: و البخاري مع روايته عن أبي موسى الصريحة في تأخر غزوة ذات الرقاع عن غزوة خيبر، قدم غزوة ذات الرقاع على خيبر. قال: و لا أدري، هل تعمد ذلك تسليما لأصحاب المغازي أنها كانت قبل خيبر، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين مختلفتين: أي واحدة قبل خيبر، و الثانية بعدها كما قدمناه. أي و قدمنا أن سبب التسمية في الثانية ما ذكر عن أبي موسى رضي اللّه عنه، و أما في الأولى فأحد الأسباب الآتية.
قال في الإمتاع: و قد قال بعض من أرخ: إن غزوة ذات الرقاع أكثر من مرة، فواحدة كانت قبل الخندق، و أخرى بعدها: أي و بعد خيبر.
و لم غزا (صلى اللّه عليه و سلم) استخلف على المدينة أبا ذر الغفاري. و قيل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه. قال ابن عبد البر: و عليه الأكثر. أي و قد نظر في الأول، بأن أبا ذرّ رضي اللّه عنه لما أسلم بمكة رجع إلى بلاد قومه، فلم يجىء حتى مضت بدر و أحد و الخندق.
أقول: و هذا النظر بناء على أنها كانت قبل الخندق، و أما على أنها كانت بعد الخندق و بعد خيبر فلا يتأتى هذا النظر، و اللّه أعلم.
و سار (صلى اللّه عليه و سلم) حتى بلغ نجدا فلم يجد بها أحدا و وجد نسوة فأخذهنّ و فيهن جارية وضيئة. ثم لقي جمعا فتقارب الجمعان و لم يكن بينهما حرب.