السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٦ - غزوة ذات الرقاع
يزرع له (صلى اللّه عليه و سلم). و لما أعطى المهاجرين أمرهم بردّ ما كان للأنصار لاستغنائهم عنهم و لأنهم لم يكونوا ملكوهم ذلك، و إنما كانوا دفعوا لهم تلك النخيل لينتفعوا بثمرها، و ظنت أم أيمن أن ذلك ملك لها فامتنعت من رده، أي لأن أم أنس كانت أعطته (صلى اللّه عليه و سلم) نخلات، فأعطاها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أم أيمن و لم ينكر عليها ذلك تطييبا لقلبها لكونها حاضنته، و صار يعطيها و هي تمتنع من رده إلى أن أعطاها عشرة أمثاله أو قريبا من ذلك.
و ذكر هذا في بني النضير يخالف ما في مسلم أن ذلك كان عند فتح خيبر، حيث ذكر أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما فرغ من قتال أهل خيبر و انصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارها، و ذكر قصة أم أيمن، فليتأمل و اللّه أعلم.
غزوة ذات الرقاع
أي و تسمى غزوة الأعاجيب: أي لما وقع فيها من الأمور العجيبة، و غزوة محارب و غزوة بني ثعلبة، و غزوة بني أنمار.
عن ابن إسحاق (رحمه اللّه): ثم أقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد غزوة بني النضير شهر ربيع الأول. و قال غيره: شهري ربيع و بعض جمادى. ثم غزا نجدا يريد بني محارب و بني ثعلبة، حين بلغه (صلى اللّه عليه و سلم) أنهم جمعوا الجموع: أي من غطفان لمحاربته، فخرج (صلى اللّه عليه و سلم) في أربعمائة من أصحابه رضي اللّه عنهم، أي و قيل سبعمائة و قيل ثمانمائة.
أي و احتج البخاري (رحمه اللّه) على أن هذه الغزاة كانت بعد خيبر بما رواه عن أبي موسى رضي اللّه عنه مما يدل على أن أبا موسى شهد غزاة ذات الرقاع، و هو «خرجنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ستة نفر بيننا بعير، فنقبت أقدامنا، نقبت قدماي و سقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق: فسميت غزاة ذات الرقاع.
و إذا ثبت أن أبا موسى شهد غزاة ذات الرقاع، و ثبت أنه لم يجىء إليه (صلى اللّه عليه و سلم) من الحبشة إلا بخيبر لزم أن تكون غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، إلا أن يدعي تعدد غزوة ذات الرقاع مرتين، و أنها كانت قبل خيبر و بعدها، و التي وجدت فيها صلاة الخوف هي الثانية. أي و السبب في تسميتها ذات الرقاع ما تقدم عن أبي موسى رضي اللّه عنه، و حيث كانت بعد خيبر يلزم أن تكون بعد الخندق، لقول الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه): صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شرعت، أي لأنها لو كانت شرعت لصلاها (صلى اللّه عليه و سلم)، و لم يؤخر الصلاة كما سيأتي، و سيأتي الجواب عن ذلك.
و قد ذكرها الشمس الشامي (رحمه اللّه تعالى) بعد خيبر، و الأصل لم يذكر ما