السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٩ - غزوة حمراء الأسد
غزوة حمراء الأسد
لما كان صبيحة قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) من أحد أذن مؤذنه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يخرجوا خلف قريش، و أن لا يخرج إلا من حضر أحدا، و ذلك إرهابا للعدو، و ليبلغهم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) خرج في طلبهم ليظنوا به (صلى اللّه عليه و سلم) قوة، و أن الذي أصابهم لم يوهنهم: أي يضعفهم عن عدوهم.
قال: و قيل لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) بلغه أن أبا سفيان يريد أن يرجع بقريش إلى المدينة ليستأصلوا من بقي من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقد بلغه أن المشركين قالوا له: لا محمدا قتلتم، و لا الكواكب أردفتم، بئس ما صنعتم ارجعوا.
أي و في لفظ أنهم لما بلغوا بعض الطريق قدموا فقالوا بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا قوة و شوكة، فقذف اللّه في قلوبهم الرعب.
و يذكر أن عبد اللّه بن عوف جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) صبيحة قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) من أحد و أخبره أنه أقبل من أهله حتى إذا كان بمحل كذا إذا قريش قد نزلوا به؛ فسمع أبا سفيان و أصحابه يقولون: ما صنعتم شيئا قد بقي منهم رءوس يجمعون لكم فارجعوا نستأصل من بقي، و صفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم و يقول: يا قوم لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف عن الخروج، فارجعوا و الدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): أرشدهم صفوان، و ما كان يرشد فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أبا بكر و عمر رضي عنهما، و ذكر لهما الخبر: أي ما أخبر به عبد اللّه بن عوف فقالا: يا رسول اللّه اطلب العدو لا يقتحمون على الذرية. فلما انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من صلاة الصبح ندب الناس، و أمر بلالا أن ينادي إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأمركم بطلب عدوكم، و لا يخرج إلا من حضر القتال بالأمس، انتهى.
و عند تهيؤه (صلى اللّه عليه و سلم) للخروج جاء جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما فقال: يا رسول اللّه إنما تخلفت عن أحد، لأن أبي خلفني على أخوات لي سبع، أي و قيل و هو الصحيح إنهن تسع، و قال: يا بني إنه لا ينبغي لي و لا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن و لست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، لعل اللّه يرزقني الشهادة فتخلف على أخواتك فاستخلفت عليهن و استأثر علي بالشهادة، فائذن لي يا رسول اللّه معك، فأذن له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري. و استأذنه رجال لم يحضروا القتال أي منهم عبد اللّه بن أبي قال له أنا راكب معك، فأبى ذلك عليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).