السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٣ - غزوة أحد
و أعادت على قتادة عينا* * * فهي حتى مماته النجلاء
أي و أعادت تلك الراحة الشريفة على قتادة بن النعمان رضي اللّه تعالى عنه عينا له ذهبت، فهي إلى مماته الواسعة: أي الكثيرة النظر.
قال الشيخ ابن حجر الهيتمي: و يجمع بين رواية العين الواحدة و رواية الثنتين.
أي فقد جاء في حديث غريب «أصيبت عيناي فسقطتا على وجنتي، فأتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأعادهما و بصق فيهما، فعادتا تبرقان» بأن أحد الرواة ظن أن الساقطة واحدة و بعضهم أن الساقط ثنتان، فأخبر كلّ بحسب علمه.
و من قواعدهم أن زيادة الثقة مقبولة، و بها تترجح رواية إحدى الثنتين، هذا كلامه فليتأمل. و كون ذلك كان يوم أحد هو المشهور. و قيل يوم الخندق.
و قد حكى أبو عمر بن عبد البر أن رجلا من ولد قتادة قدم على عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه؛ فقال له: من الرجل؟ فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه* * * فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها* * * فيا حسن ما عين و يا حسن ما رد
فقال عمر بن عبد العزيز:
تلك المكارم لا قعبان من لبن* * * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
فوصله عمر و أحسن جائزته.
و رمى كلثوم بن الحصين بسهم في نحره، فجاء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فبصق عليه فبرأ. و حضرت الملائكة (عليهم السلام) يوم أحد و لم تقاتل.
قال: و يؤيده قول مجاهد (رحمه اللّه): لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، لكن جاء عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه قال «رأيت عن يمين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و عن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال؛ و ما رأيناهما قبل و لا بعد، أي و هما جبريل و ميكائيل (عليهما السلام)» و لا منافاة، فقد قال البيهقي (رحمه اللّه): لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم أي فلا ينافي أنهم قاتلوا عنه (صلى اللّه عليه و سلم) خاصة ا ه.
أقول: و يجوز أن يكون المراد بمقاتلتهما دفعهما عنه (صلى اللّه عليه و سلم). و فيه أنه جاء عن الحارث بن الصمة رضي اللّه تعالى عنه قال «سألني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو في الشعب عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه، فقلت: رأيته في جنب الجبل، فقال: الملائكة تقاتل معه. قال الحارث: فرجعت إلى عبد الرحمن، فإذا بين يديه سبعة صرعى فقلت: ظفرت يمينك أكل هؤلاء قتلت؟ قال: أما هذا و هذا فأنا