السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٢ - غزوة أحد
أي و عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال «لما قتل أبي جعلت أبكي و أكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ينهوني و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لم ينهني، و قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة (عليهم السلام) مظلة له بأجنحتها حتى رفع» أي و سيأتي أن جابرا رضي اللّه عنه لم يحضر القتال.
و عن بشير ابن عفراء رضي اللّه عنهما قال «أصيب أبي يوم أحد، فمرّ بي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أنا أبكي، فقال: أ ما ترضى أن تكون عائشة أمك، و أكون أنا أباك».
و مرّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بامرأة من بني دينار قد أصيب زوجها و أخوها و أبوها و في رواية: «و ابنها يوم أحد، فلما نعوا لها، قالت: ما فعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي ما فعل به، قالوا: خيرا يا أم فلان، و هو بحمد اللّه كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته (صلى اللّه عليه و سلم) قالت: كل مصيبة بعدك جلل تريد صغيرة. و الجلل كما يقال للشيء الصغير يقال للشيء الكبير، فهو من الأضداد. و في لفظ «أنها مرت بأخيها و أبيها و زوجها و ابنها صرعى. و صارت كلما سألت عن واحد و قالت من هذا قيل لها هذا أخوك و ابنك و زوجك و أبوك، فلم تكترث بذلك، بل صارت تقول: ما فعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ فيقولون: أمامك حتى جاءته أخذت بناحية ثوبه، ثم جعلت تقول:
بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، لا أبالي إذ سلمت من عطب».
و أصيبت يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته. أي فأرادوا قطعها، فسألوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: «لا فدعاه فردها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيده» أي أخذها بيده الشريفة «وردها إلى موضعها» أي براحته الشريفة «و قال: اللهم اكسه جمالا فكانت أحسن عينيه و أحدّهما نظرا؛ و كانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى».
أي و جاء في قتادة رضي اللّه عنه أنه قال «كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي عن وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتي، فأخذتها» أي رفعتها «بيدي أي و قلت: يا رسول اللّه إن لي امرأة أحبها و أخشى أن تراني تقذرني أي و قال له (صلى اللّه عليه و سلم) إن شئت صبرت و لك الجنة، و إن شئت رددتها و دعوت اللّه تعالى لك، فقال: يا رسول اللّه إن الجنة لجزاء جزيل، و عطاء جليل، و إني مغرم بحب النساء. و أخاف أن يقلن أعور فلا يردنني، و لكن تردها و تسأل اللّه تعالى لي الجنة فردها و دعا لي بالجنة».
و جاء عن قتادة رضي اللّه عنه «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما رآها في كفي» أي مرفوعة دمعت عينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: اللهم ق قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه و أحدّهما نظرا، أي بعد أن ردها إلى موضعها براحته الشريفة» كما تقدم، و إلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله في وصف راحته الشريفة: