السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤١ - غزوة أحد
و في رواية «فحملوهم إلى المدينة فدفنوهم في نواحيها، فجاء منادي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ردوا القتلى إلى مضاجعهم، فأدرك المنادي واحدا لم يكن دفن فردّ و من دفن أبقوه.
و لما أشرف (صلى اللّه عليه و سلم) على قتلى أحد قال «أنا شهيد على هؤلاء، و ما من جرح يجرح في اللّه إلا و اللّه يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه، اللون لون الدم و الريح ريح المسك».
و في رواية «إنه ليس مكلوم يكلم في اللّه تعالى إلا و هو يأتي يوم القيامة لونه» أي لون الكلم أي الجرح «لون الدم، و ريحه ريح مسك» أي و في رواية عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، و تأكل من ثمارها، و تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم و مأكلهم و حسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع اللّه بنا، لئلا يزهدوا في الجهاد و لا ينكلوا» أي يمتنعوا عن الحرب «فقال اللّه عز و جل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل اللّه عز و جل على رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) هذه الآية وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ [آل عمران: الآية ١٦٩] الآية.
و قد بينت في «النفخة العلوية» أن الأرواح في البرزخ متفاوتة في مستقرها أعظم تفاوت، فلا تعارض بين الأدلة الدالة على تلك الأقوال المختلفة، و حينئذ تكون أرواح الأنبياء عليهم الصلاة و السلام مع كونها في الملأ الأعلى متفاوتة فيه، و أرواح المؤمنين غير الشهداء أو غير الأطفال. منها ما هو سماوي و منها ما هو أرضي.
و أرواح الأطفال في حواصل عصافير الجنة عند جبال المسك. و أرواح الشهداء منهم من تكون روحه على باب الجنة. و منهم من تكون داخلها، و حينئذ إما أن تكون في جوف طير أخضر أو طير أبيض. و منهم من تكون روحه على صورة الطير.
و في كلام القرطبي (رحمه اللّه) قال علماؤنا: أرواح الشهداء طبقات مختلفة، و منازل متباينة يجمعها أنهم يرزقون، أي و تقدّم الكلام على رزقهم.
أي و من جملة من قتل من الصحابة يوم أحد أبو جابر أي كما تقدّم فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لجابر رضي اللّه عنه «يا جابر أ لا أخبرك ما كلم اللّه تعالى أحدا قط» لعل المراد من هؤلاء الشهداء كما يرشد إليه السياق «إلا من وراء حجاب و إنه كلم أباك كفاحا، فقال: سلني أعطك، فقال: أسألك أن أردّ إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب عز و جل: إنه سبق مني أنهم لا يرجعون إلى الدنيا. قال: أي رب فأبلغ من ورائي، فأنزل اللّه تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً [آل عمران: الآية ١٦٩] الآية.
أي و لا مانع من تعدد النزول للآية فلا يخالف ما تقدم قريبا.