السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣٨ - غزوة أحد
عيان من وجوه متواترة أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لم يصل على قتلى أحد.
و ما روي أنه صلى عليهم و كبر على حمزة سبعين تكبيرة لم يصح، و قد كان ينبغي لمن عارض بذلك: أي بما روى هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحيي على نفسه؛ أي فإن من رواة ذلك الحديث الدالة على أنه صلى عليهم سعيد بن ميسرة عن أنس رضي اللّه عنه. و قد قال فيه البخاري إنه يروي المناكير. و قال ابن حبان: يروي الموضوعات، و من جملة رواته: أي رواة ذلك الحديث مقسم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما. و قد قال فيه البخاري: منكر الحديث، و من ثم ذكر ابن كثير أن الذي في البخاري «أمر (صلى اللّه عليه و سلم) بدفن شهداء أحد بدمائهم و لم يصلّ عليهم و لم يغسلوا». و هو أثبت من صلاته عليهم.
و أما حديث عتبة بن عامر: أي الذي رواه الشيخان و أبو داود و النسائي و هو أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على الميت: أي دعا لهم كدعائه للميت كالمودع للأحياء و الأموات أي حين علم قرب أجله، أي فذلك كان توديعا لهم بذلك. قال: قال السهيلي (رحمه اللّه): لم يرد عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه صلى على شهيد في شيء من مغازيه إلا في هذه الرواية في أحد، و كذلك لم يصل أحد من الأئمة بعده (صلى اللّه عليه و سلم) ا ه.
و في النور «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلى على أعرابي في غزوة أخرى». و في البخاري عن جابر رضي اللّه عنه «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم و لم يغسلوا و لم يصلّ عليهم» بكسر اللام. و في رواية «و لم يصلّ عليهم» بفتح اللام.
لا يقال: خبر جابر لا يحتج به لأنه نفي، و شهادة النفي مردودة مع ما عارضها من خبر الإثبات. لأنا نقول: شهادة النفي إنما ترد إذا لم يحط بها على الشاهد و لم تكن بحضوره و إلا فتقبل بالاتفاق. و هذه قضية معينة أحاط بها جابر و غيره علما.
و استدل أئمتنا على أن الشهيد لا يغسل و لو كان جنبا بقصة حنظلة رضي اللّه عنه، لأن تغسيل الملائكة لا يكتفي به في إسقاط الحرج عن المكلفين من الإنس لعدم تكليفهم، بخلاف تغسيل الجن فإنهم مكلفون و دفنوا بثيابهم، و نزع عنهم الحديد و الجلود.
أي و أسلم وحشي رضي اللّه عنه بعد ذلك، فإنه في يوم فتح مكة فرّ إلى الطائف. ثم وفد مع أهل الطائف لما وفدوا ليسلموا. و قد قيل له بعد أن ضاقت عليه: ويحك و اللّه إنه لا يقتل أحدا من الناس دخل دينه. قال وحشي: فلم يرعه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا أني قائم على رأسه أشهد شهادة الحق. فقال لي: أنت وحشي؛ و سألني كيف قتلت حمزة فأخبرته. ثم قال: ويحك، غيّب عني وجهك فلا أراك. و في رواية: لا