السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٩٨ - غزوة أحد
ذلك علامة على وجود الأمرين. و أما الدرع الحصينة فالمدينة: أي و أما الكبش فإني أقتل كبش القوم: أي حاميهم و قال (صلى اللّه عليه و سلم) لأصحابه: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة و تدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام و إن هم دخلوا علينا قاتلنا فيها، أي فأنا أعلم بها منهم و كانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، فهي كالحصن، و كان ذلك رأي أكابر المهاجرين و الأنصار. قال: و وافق على ذلك عبد اللّه ابن أبي سلول، أي فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أرسل يستشيره و لم يستشره قبل ذلك، قال:
يا رسول اللّه أقم بالمدينة و لا تخرج فو اللّه ما خرجنا منها إلى عدوّ لنا قط إلا أصاب منا، و لا دخلها إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول اللّه، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، و إن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، و رماهم الصبيان بالحجارة من ورائهم، و إن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. ا ه.
و هذا هو الظاهر خلافا لما ذكره بعضهم من أنه (صلى اللّه عليه و سلم) دعا عبد اللّه بن أبي ابن سلول و لم يدعه قط قبلها فاستشاره، فقال: يا رسول اللّه أخرج بنا إلى هذه الأكالب، إذ لا يناسب ذلك ما يأتي عنه من رجوعه و قوله خالفني الخ، و إنما قال ذلك رجل من المسلمين ممن أكرمه اللّه بالشهادة يوم أحد. و قال رجال: أي غالبهم أحداث أحبوا لقاء العدوّ و غالبهم ممن أسف على ما فاته من مشهد بدر، أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرونا أنا جبنا عنهم و ضعفنا، أي فيكون ذلك جراءة منهم علينا، و اللّه لا نطيع العرب في أن تدخل علينا منازلنا.
و في لفظ أن الأنصار قالوا: يا رسول اللّه ما غلبنا عدو لنا أتانا في دارنا أي في ناحية من نواحيها فكيف و أنت فينا و وافقهم على ذلك حمزة بن عبد المطلب. و قال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): و الذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاما حتى أجادلهم بسيفي خارج المدينة، كل ذلك و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كاره للخروج، فلم يزالوا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى وافق على ذلك، فصلى الجمعة بالناس ثم وعظهم و أمرهم بالجد و الاجتهاد و أخبرهم أن لهم النصرة ما صبروا، و أمرهم بالتهيؤ لعدوّهم، ففرح الناس بذلك، ثم صلّى بالناس العصر و قد حشدوا: أي اجتمعوا؛ و قد حضر أهل العوالي ثم دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيته و معه أبو بكر و عمر رضي اللّه عنهما فعمماه و ألبساه، وصف الناس ينتظرون خروجه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال لهم سعد بن معاذ و أسيد بن حضير: استكرهتم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على الخروج فردّوا الأمر إليك، أي فما أمركم به و ما رأيتم له فيه هوى و رأيا فأطيعوه فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد لبس لأمته و ظاهر بين درعين أي لبس درعا فوق درع، و هما: ذات الفضول، و فضة التي أصابها من بني قينقاع كما تقدم، و ذات الفضول هذه هي التي أرسلها إليه (صلى اللّه عليه و سلم) سعد بن عبادة رضي اللّه عنه حين سار إلى بدر، و هي التي مات (صلى اللّه عليه و سلم) عنها و هي مرهونة عند اليهودي، و أفتكها أبو بكر رضي