السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٨٩ - غزوة قرقرة الكدر
رسول اللّه راجعا إلى المدينة، و كانت غيبته خمسة أيام.
غزوة قرقرة الكدر
و يقال قرقرة الكدرة و يقال قراقر. فبلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن جمعا من بني سليم و غطفان بقرقرة الكدر: أي لعله بلغه أنهم يريدون الإغارة على المدينة بعد أن غزاهم (صلى اللّه عليه و سلم) كما تقدم. و قرقرة الكدر: أرض ملساء فيها طيور في ألوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع، كما تقدم أن الماء الذي بأرضهم الذي بلغه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يجد به أحدا منهم يسمى الكدر، لوجود ذلك الطير به، فسار إليهم في مائتين من أصحابه، و حمل لواءه عليّ بن أبي طالب، و استخلف على المدينة ابن أمّ مكتوم، و تقدم في تلك أنه استخلف على المدينة سباع بن عرفطة أو ابن أمّ مكتوم و تقدم ما فيه، فلما سار إليه أي إلى ذلك الموضع لم يجد به أحدا، و أرسل نفرا من أصحابه إلى أعلى الوادي و استقبلهم في بطن الوادي فوجد خمسمائة بعير مع رعاة، منهم غلام يقال له يسار فحازوها و انحدروا بها إلى المدينة، فلما كانوا بمحل على ثلاثة أميال من المدينة خمسها (صلى اللّه عليه و سلم)، فأخرج خمسة و قسم الأربعة الأخماس على أصحابه، فخص كل رجل منهم بعيران، و وقع يسار في سهمه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأعتقه (صلى اللّه عليه و سلم) لأنه رآه يصلي أي و قد أسلم، و تعلم الصلاة من المسلمين بعد أسره، أي و في كون هذا غنيمة حيث قسمه كذلك وقفة.
و كانت مدة غيبته (صلى اللّه عليه و سلم) خمس عشرة ليلة، فعلم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) غزا بني سليم؛ و أنه وصل إلى ماء من مياههم يقال له الكدر لوجود ذلك الطير به، و أنه استعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري أو ابن أمّ مكتوم. و هنا وقع الجزم بالثاني، و أن الأولى لم يذكر أنه وجد فيها شيئا من النعم.
و ظاهر هذا يدل على التعدد، و جرى عليه الأصل، أي و حينئذ تكون تلك الطيور توجد في ذلك الماء و في تلك الأرض. فعلى هذا يكون (صلى اللّه عليه و سلم) غزا بني سليم مرتين: مرة وصل فيه لذلك الماء و لم يجد شيئا من النعم، و مرة وصل فيها لتلك الأرض و وجد بها تلك النعم، و لم أقف على أن محل ذلك الماء سابق على تلك الأرض، أو أن تلك الأرض سابقة على محل ذلك الماء.
و في السيرة الشامية أن غزوة بني سليم هي غزوة قرقرة الكدر، فعليه يكون إنما غزا بني سليم مرة واحدة، أي و حينئذ يكون الماء الذي كان به ذلك الطير كان في تلك الأرض الملساء أو قريبا منها، فليتأمل. و الحافظ الدمياطي جعل غزوة بني سليم هي غزوة بحران الآتية؛ و سنذكرها.