السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٨٣ - غزوة بني سليم
و بارك عليهما، و بارك لهما في شملهما: أي الجماع، و تلا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) و المعوذتين، ثم قال أدخل بأهلك باسم اللّه و البركة، و كان فراشها إهاب كبش: أي جلده، و كان لهما قطيفة إذا جعلاها بالطول انكشفت ظهورهما و إذا جعلاها بالعرض انكشفت رءوسهما.
ثم مكث (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاثة أيام لا يدخل على فاطمة. و في اليوم الرابع دخل عليهما في غداة باردة و هما في تلك القطيفة، فقال لهما: كما أنتما و جلس عند رأسهما ثم أدخل قدميه و ساقيه بينهما، فأخذ علي (كرم اللّه وجهه) إحداهما فوضعها على صدره و بطنه ليدفئها و أخذت فاطمة رضي اللّه عنها الأخرى فوضعتها كذلك.
و قالت له في بعض الأيام: يا رسول اللّه ما لنا فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل و نعلف عليه ناضحنا بالنهار، فقال لها (صلى اللّه عليه و سلم) يا بنية اصبري، فإن موسى بن عمران عليه الصلاة و السلام أقام مع امرأته عشر سنين ليس لهم فراش إلا عباءة قطوانية: أي و هي نسبة إلى قطوان: موضع بالكوفة، أي و لعل العباءة التي كانت تجلب من ذلك الموضع كانت صفيقة. و عن علي رضي اللّه تعالى عنه: لم يكن لي خادم غيرها.
و عنه رضي اللّه تعالى عنه «لقد رأيتني مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أني لأربط الحجر على بطني من الجوع، و إن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألف دينار» و لعل المراد في السنة.
قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من الصحابة ما ورد لعلي رضي اللّه تعالى عنه أي من ثنائه (صلى اللّه عليه و سلم) عليه.
و سبب ذلك أنه كثرت أعداؤه و الطاعنون عليه من الخوارج و غيرهم، فاضطر لذلك الصحابة أن يظهر كل منهم من فضله ما حفظه ردا على الخوارج و غيرهم.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: ما نزل في أحد من الصحابة من كتاب اللّه ما نزل في عليّ. نزل في عليّ ثلاثمائة آية.
و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: كل ما تكلمت به في التفسير فإنما أخذته عن علي (كرم اللّه وجهه).
و من كلماته البديعة الوجيزة: لا يخافنّ أحد إلا ذنبه، و لا يرجونّ إلا ربه، و لا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، و لا من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول اللّه أعلم.
ما أبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول اللّه أعلم.
و من ذلك: العالم من عمل بما علم و وافق علمه عمله، و سيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، و يخالف علمهم