السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٧٢ - باب غزوة بدر الكبرى
عليه يعيرونه بكفره باللّه و قطيعة الرحم، و أغلظ عليّ له من القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا و لا تذكرون محاسننا، فقال له عليّ: أ لكم محاسن؟ قال نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، و نحيي الكعبة، و نسقي الحاج، و نفك العاني، فأنزل اللّه تعالى ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ [التّوبة: الآية ١٧] الآية.
و جاء أنه قال للمسلمين: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام و الهجرة و الجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، و نسقي الحاج، فأنزل اللّه تعالى أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [التّوبة: الآية ١٩] الآية.
و ذكر بعضهم أن العباس رضي اللّه تعالى عنه كان رئيسا في قريش، و إليه عمارة المسجد الحرام، فكان لا يدع أحدا يتشبب فيه، و لا يقول فيه هجرا. و التشبيب:
ترقيق الشعر بذكر النساء و الهجر: الكلام الفاحش، فكانت قريش اجتمعت و تعاقدت على تسليم ذلك للعباس، و كانوا عونا له على ذلك.
و من ثم قيل في العباس: هذا و اللّه هو الشرف: يطعم الجائع، و يؤدب السفيه، فإن طعامه كان لفقراء بني هاشم. و قيل و سوطه معد لسفهائهم، و إذا كان ذلك لسفهاء بني هاشم فلسفهاء غيرهم بطريق الأولى.
و الظاهر أن ذلك لا يختص بسكونهم في المسجد كما قد يدل عليه الرواية الأولى، و لا ينافي هذا أي قول عمر له أسلم إلى آخره، ما تقدم عن مولاه أبي رافع، من أن العباس كان مسلما، و من قوله للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) إنه كان مسلما، و من إتيانه بالشهادتين عنده (صلى اللّه عليه و سلم)، لأن ذاك لم يظهره علانية بل أظهره له (صلى اللّه عليه و سلم) فقط و لم يعلم به عمر و لا غيره، و لم يظهر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إسلام العباس رفقا به، لما تقدم أن العباس كان له ديون متفرقة في قريش، و كان يخشى إن أظهر إسلامه ضاعت عندهم.
و من ثم لما قهرهم الإسلام يوم فتح مكة أظهر إسلامه: أي فلم يظهر إسلامه إلا يوم الفتح، و كان كثيرا ما يطلب الهجرة إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيكتب له مقامك بمكة خير لك.
أي و في رواية «استأذن العباس رضي اللّه تعالى عنه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في الهجرة، فكتب إليه: يا عم أقم مكانك الذي أنت فيه، فإن اللّه عز و جل يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوّة» فكان كذلك.
و في رواية أنه قال لابن عمه نوفل بن الحارث بن عبد المطلب «افد نفسك يا نوفل، قال: ما لي شيء أفدي به نفسي، قال: افد نفسك من مالك الذي بجدة» و في لفظ «بأرماحك التي بجدة فقال: أشهد أنك رسول اللّه، و اللّه ما أحد يعلم أن لي بجدة أرماحا غير اللّه» أي و فدى نفسه و لم يفده العباس.