السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٧٢ - باب ذكر مغازيه
٥] الآية ثم أمر به وجوبا أي بعد فتح مكة في السنة الثانية مطلقا، أي من غير تقييد بشرط و لا زمان بقوله وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التّوبة: الآية ٣٦] أي جميعا في أي زمن.
فعلم أن القتال كان قبل الهجرة و بعدها إلى صفر من السنة الثانية محرّما، أي لأنه كان في ذلك مأمورا بالتبليغ، و كان إنذارا بلا قتال، لأنه نهى عنه في نيف و سبعين آية ثم صار مأذونا له فيه أي أبيح قتال من قاتل ثم أبيح قتال من لم يبدأ به في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقا: أي لمن قاتل و من لم يقاتل في كل زمن؛ أي في الأشهر الحرم و غيرها.
و ظاهر كلام الإمام الأسنوي أن القتال في الحالة الثانية كان مأمورا به لا مباحا كالحالة الأولى. و عبارته: لما بعث (صلى اللّه عليه و سلم) أمر بالتبليغ و الإنذار بلا قتال، فقال فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [النساء: الآية ٦٣] و قال وَ اصْبِرْ [المزمّل: الآية ١٠] ثم أذن له بعد الهجرة في القتال إن ابتدءوا فقال فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: الآية ١٩١] ثم أمر بذلك ابتداء و لكن في غير الأشهر الحرم فقال فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التّوبة: الآية ٥] ثم أمر به مطلقا فقال وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التّوبة: الآية ٣٦] هذا كلامه.
و لا يخفى أن الأسنوي ممن يرى أن «أمر» للوجوب، و هو يقتضي أن يكون الأمر به في الحالة الثانية للوجوب. و الراجح ما علمت أن «أمر» مشترك بين الوجوب و الندب، و أنه في الحالة الثانية مباح لا مأمور به.
ثم استقر أمر الكفار معه (صلى اللّه عليه و سلم) بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول محاربون له (صلى اللّه عليه و سلم)، و هؤلاء المحاربون إذا كانوا ببلادهم يجب قتالهم على الكفاية في كل عام مرة أي يكفي ذلك في إسقاط الحرج كإحياء الكعبة، و استدل لذلك بقوله تعالى فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التّوبة: الآية ١٢٢] أي فهلا نفر. و قيل كان فرض عين، لقصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك. و يحتاج إلى الجواب عن ذلك.
و قيل كان فرض كفاية في حق الأنصار، و فرض عين في حق المهاجرين.
و القسم الثاني أهل عهد و هم المؤمنون من غير عقد الجزية: أي صالحهم و وادعهم على أن لا يحاربوه و لا يظاهروا عليه عدوّهم، و هم على كفرهم آمنون على دمائهم و أموالهم.
و القسم الثالث أهل ذمة: أي و هم من عقدت لهم الجزية.
و هناك قسم آخر، و هو من دخل في الإسلام تقية من القتل و هم المنافقون كما تقدم. و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) أن يقبل منهم علانيتهم و يكل سرائرهم إلى اللّه تعالى، فكان معرضا عنهم إلا فيما يتعلق بشعائر الإسلام الظاهرة كالصلاة فلا يخالف ما رواه الشيخان «لقد