السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤ - باب عرض رسول اللّه
و قد جاء في المرفوع «يوم الجمعة سيد الأيام، و أعظمها عند اللّه تعالى، فهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، و ساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان».
و الذي في البخاري «ثم هذا» أي يوم الجمعة «يومهم الذي فرض عليهم: أي على اليهود و النصارى، فاختلفوا فيه فهدانا اللّه تعالى له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا و النصارى بعد غد» و قوله فاختلفوا فيه يدل على أنهم لم يعلموا عينه، و يوافقه ما نقل عن بعض أهل العلم أن اليهود أمروا بيوم من الأسبوع يعظمون اللّه تعالى فيه و يتفرغون لعبادته، فاختاروا من قبل أنفسهم السبت فأكرموه في شرعهم، و كذلك النصارى أمروا على لسان عيسى بيوم من الأسبوع، فاختاروا من قبل أنفسهم الأحد، فالتزموه شرعا لهم، و هو يخالف ما سبق فليتأمل.
قال بعضهم: و الراجح أن أول الأسبوع السبت، لأنه أول يوم ابتدئ فيه بإيجاد المخلوقات، فقد جاء في الصحيح «إن اللّه خلق التربة يوم السبت، و الجبال يوم الأحد، و الشجر يوم الاثنين، و المكروه يوم الثلاثاء، و النور يوم الأربعاء» كذا في مسلم. و عليه يشكل تسمية اليوم الذي يليه الأحد. و أجيب بأنه من تسمية اليهود، و تبعهم غيرهم.
و قد ذكر السهيلي أن تسمية هذه الأيام طارئة؛ و لو كان اللّه سبحانه و تعالى سماها في القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد لقلنا هي تسمية صادقة، لكن لم يذكر منها إلا الجمعة و السبت، و إنهما ليسا مشتقين من العدد هذا كلامه.
و ردّ بأنه جاء «إن اللّه تعالى خلق يوما فسماه الأحد، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسماه الخميس».
و أجاب ابن حجر الهيتمي بأن هذه: أي التسمية المذكورة لم تثبت، و أن العرب تسمى خامس الورد أربعاء، هذا كلامه، فيكون أول الأسبوع السبت.
ثم رأيت السهيلي قال: لم يسمها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالأحد و الاثنين إلى سائرها إلا حاكيا للغة قومه لا مبتدئا تسميتها، و لعل قومه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم، فألقوا عليها هذه الأسماء اتباعا لهم، هذا كلامه فليتأمل.
و في السبعيات للهمداني: أكرم اللّه موسى عليه الصلاة و السلام بالسبت، و عيسى بالأحد، و داود بالاثنين، و سليمان بالثلاثاء، و يعقوب بالأربعاء، و آدم بالخميس، و محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) بالجمعة، و هذا يدل على أن اليهود لم يختاروا يوم السبت و النصارى يوم الأحد من عند أنفسهم فليتأمل الجمع.