نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٩ - الجزء الأول
ما احتوى أولئك عليه، و قصورا عن[٣ ط]أن تنتج خواطرهم أمثال تلك الفضائل و الخصال، و أن تتسع صدورهم لفعل ما يقارب تلك المكارم و الأفعال هذا مع أن في زمانهم هذا من العلماء المحتسبين [١] في التعليم، [و الحكماء] [٢]
و الأدباء المنتصبين للتأديب و التفهيم، و أهل الفضل و البراعة، في كلّ علم و أدب، و جدّ و هزل و صناعة، من يتقدّم بجودة الخاطر، و حسن الباطن و الظاهر، و شدّة الحذق فيما يتعاطاه، و التبريز فيما يعانيه و يتولاّه، كثيرا ممن تقدّمه في الزمان، و سبقه بالمولد في ذلك الأوان، و يقتصر منهم على الإكرام دون الأموال، و قضاء الحاجات دون المغارم و الأثقال، فما يرفعون به رأسا، و لا ينظرون إليه الاّ اختلاسا، لفساد هذا العصر، و تباعد حكمه من ذلك الدهر، و إنّ موجبات الطبائع فيه متغيّرة متنقّلة، و السنن دارسة متبدّلة، و الرغبة في التعلّم معدومة، و الهمم باطلة مفقودة، و الاشتغال من العامّة بالمعاش قاطع، و من الرؤساء بلذّاتهم البهيميّة مانع [٣] ، فنحن حاصلون فيما روي من الخبر إنّ الزمان لا يزداد إلاّ صعوبة، و لا الناس إلاّ شدّة، و لا تقوم الساعة إلاّ على شرار الخلق، و ما أحسن ما أنشدني أبو الطيّب المتنبّي لنفسه من قصيدة، في وصف صورتنا:
أتى الزّمان بنوه في شبيبته # فسرّهم و أتيناه على الهرم [٤]
[١] في ط: المحسنين.
[٢] الزيادة من ط.
[٣] في ب: قانع.
[٤] وجدت الناسخ في ب قد أقحم فقرة بعد بيت المتنبي، و صيرها في جملة المقدمة، و لم أجد تلك الفقرة في ط، و مع ثقتي بأنها من تدوين المؤلف، إلا أني وجدتها أجدر بأن تدون في الحاشية، فأثبتها، و هذه هي الفقرة:
حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخي، المعروف- والده بأبي بكر الأزرق الأنباري، قال: قال أبي: يا بني، إذا كان يوم القيامة أصعب الأيام، فكل ما قرب منه من الأيام، و دخل في أشراطه كان أصعب» .