نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٥٣ - ١٣٥ سبب اتصال أبي يوسف القاضي بالرشيد
قال: فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي إنّه قد رأى بعض أولاده الذكور على ذلك، و إنّ الذي أشار إليّ بالاستغاثة، هو الابن الزاني.
قال: ثم رفع رأسه، فقال: و من أين قلت هذا؟ قلت: لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، قال: ادرءوا الحدود بالشبهات، و هذه شبهة يسقط الحد معها.
فقال: و أي شبهة مع المعاينة؟ قلت: ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، و الحكم في الحدود لا يكون بالعلم.
قال: و لم؟ قلت: لأن الحدّ حقّ اللّه تعالى، و الإمام مأمور بإقامة الحدّ، فكأنّه قد صار حقا له، و ليس لأحد أخذ حقّه بعلمه، و لا تناوله بيده، و قد أجمع المسلمون على وقوع الحدّ بالإقرار و البيّنة، و لم يجمعوا على إيقاعه بالعلم.
قال: فسجد مرّة أخرى، و أمر لي بمال جليل، و رزق في الفقهاء في كل شهر، و أن ألزم الدار.
قال: فما خرجت، حتى جاءتني هديّة الفتى، و هديّة أمّه، و أسبابه، فحصل لي من ذلك، ما صار أصلا للنعمة، و انضاف رزق الخليفة، إلى ما كان يجريه عليّ ذلك القائد.
و لزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني، و هذا يشاورني، فأفتي و أشير، فصارت لي مكنة فيهم، و حرمة بهم، و صلاتهم تصل إليّ، و حالتي تقوى.
ثم استدعاني الخليفة، و طاولني، و استفتاني في خواصّ أمره، و أنس بي.
فلم تزل حالي تقوى معه، حتى قلّدني قضاء القضاة.