نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣٤ - ٦٨ قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدّة
فاستشاط، و قال: لا، و لا كرامة له، و لا أربعة آلاف ألف، و لا ثمانية آلاف ألف.
و قال لي الفضل: ما دمت ترفّهه، و تكرمه، و تجلسه على الدسوت، و تخدمه بنفسك و غلمانك، كيف لا يتقاعد؟ فقلت له: فتسلّمه أنت إن شئت.
فقال الخليفة[٤٤ ب]: خذه إليك.
فأخذه، و أرهقه، و طالبه بعشرة آلاف ألف، و دهقه [١] ، و ضربه، و هو لا ينحلّ بشيء.
فنزل معه إلى خمسة آلاف ألف، فلم يستجب.
فقنع منه بثلاثة آلاف ألف، فلم يجب.
فلما زاد عليه المكروه، و خاف الفضل أن يتلف في العذاب، فيجب المال عليه في نفسه بإتلافه إيّاه، رفق به، و داراه، و خلع عليه، و رفّهه أيّاما.
و قال له: كان محمد بن يزداد بذل عنك ألفي ألف درهم، و قد قنعت بها منك، فهاتها.
فقال: ما ملكتها قط، و لا بذلتها لمحمّد.
فجاء الفضل إلى المأمون، فاقتصّ عليه خبره معه، في معاقبته، و مطالبته أولا، بالكلّ، و اقتصاره ثانيا، و ترفيهه له، و إكرامه، و قناعته منه بألفي ألف درهم، و إقامته على أنّه لا مال له، و إنكاره[٤٠ ط]أن يكون بذل ذلك، و كنت حاضرا.
فانقطع الحبل في يد المأمون، و كاد يهمّ بالفضل.
[١] الدهق: آلة تعذيب تشتمل على خشبتين يضيق بهما على ساقي المعذب.