نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣٥ - ٦٨ قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدّة
فقلت: يا أمير المؤمنين الرجال لا يكالون، و ليس كلّ أحد يجيء على الهوان، و إنّ الفضل استخطأ رأيي فيما عاملت عمروا به، فصار إليه، و عامله بمثله حيث لم ينفع ذلك، و لو تركني معه في الأوّل، لاستخرجت منه ثلاثة آلاف ألف عفوا، و هذه تذكرة بخطّ عمرو تحتوي على ثلاثة آلاف ألف، فأخرجتها، و طرحتها بين يديه.
و قلت: لو كنت علمت أنّ أمير المؤمنين يجيبني في ذلك الوقت، إلى ثلاثة آلاف ألف، عنه، لبذلتها، فبذلت ألفي ألف، حتى إن لم يقنع، زدت ألف ألف، و الآن فقد فسد هذا، و و اللّه، لا أعطي عمرو، مع ما جرى عليه، حبّة، فإن استحلّ أمير المؤمنين دمه، فذاك إليه، و إلاّ فليس إلى استخراج شيء منه سبيل.
قال: فاستحيا المأمون، و أطرق مفكّرا مليّا، ثم رفع رأسه، و قال:
و اللّه لا كان كاتب من كتّابي، و لا نبطيّ من عمّالي، أكرم، و أوفى، و أصحّ تدبيرا منّي، قد وهبت لك يا محمد، عمروا و ما عليه، فخذه، و اصنع به ما شئت.
فتسلّمته من الفضل بن مروان، و أطلقته مكرّما إلى بيته.