نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣٢ - ٦٨ قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدّة
٦٨ قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدّة
حدّثني أبو العبّاس هبة اللّه بن محمد بن المنجّم[٣٩ ط]، عن أسلافه:
إنّ المأمون [١] نكب عاملا له، يقال له: عمرو بن نهيوي، صهر موسى بن أبي الفرج بن الضحّاك، من أهل السواد، موسرا، فأمر محمد ابن يزداد [٢] أن يتسلّمه إليه، و يعذّبه، و يعاقبه، حتى يأخذ خطّه بعشرة آلاف ألف درهم، و يستخرجها منه.
فسلّم عمرو إلى محمد، فأكرمه، و ألطفه، و أمر بخدمته و ترفيهه، و أفرده في حجرة سريّة من داره، و أخدمه فيها من الفرش و الغلمان بما يليق به، و لم يكلّمه ثلاثة أيّام، و المأمون يسأل عن الخبر، فيبلغه ترفيهه له، فيغتاظ، و يسأله، فيقول: هو مطالب.
فلما كان في اليوم الرابع، استدعى عمرو محمدا، فدخل إليه.
[١] أبو العباس عبد اللّه المأمون بن هارون الرشيد (١٧٠-٢١٨) : من أفاضل خلفاء بني العباس، و علمائهم، و حكمائهم، و حلمائهم، و هو أول من فحص عن علوم الحكمة و حصّل كتبها و أمر بنقلها إلى العربية، و شهرها، و من اختراعاته: مقاسمة أهل السواد بالخمسين، و كانت المقاسمة المعهودة النصف، توفي عن ٤٨ سنة، و دفن بطرسوس (الفخري ٢١٦) و قبره معروف إلى الآن و عليه قبة قد تشعثت على ما بلغني.
[٢] محمد بن يزداد بن سويد: أبو عبد اللّه، من عائلة مجوسية، أسلمت و اتصل أفرادها بالخلفاء، و سويد جد محمد أولهم إسلاما، نشأ بمرو و عمل في ديوانها، و أنشأ أولاده نشأة حسنة، و كان حفيده محمد شاعرا فصيحا، أديبا بارعا، اتصل بالمأمون فاستوزره، و فوض إليه جميع الأمور، و توفي المأمون و هو وزيره (الفخري ٢٢٧) .