نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٧١ - ٢٨ من مكارم أخلاق الوزير أبي محمد المهلبي
بإطلاقها على الإدرار، فبلغت الجريدة ثلاثة آلاف و كسرا في الشهر، و عملت في المجلس و أطلق مالها و امتثل جميع ما رسم به أبو محمد.
فلم يبق أحد إلاّ بكى رقّة و استحسانا لذلك.
و لقد رأيت أبا عبد اللّه محمد بن الحسن الداعي العلويّ [١] رحمه اللّه، ذلك اليوم، و كان حاضرا المجلس، و قد أجهش بالبكاء، و أسرف في شكر أبي محمّد، و تقريظه، على قلّة كلامه إلاّ فيما يعنيه، و على سوء رأيه-كان- في أبي محمد، و لكنّ الفضل بهره، فلم يمنعه ما بينهما، أن نطق بالحق.
و قلت أنا، لأبي محمد في ذلك اليوم: لو كان الموت يستطاب في وقت من الأوقات، لطاب لكل ذي ذيل طويل، في أيّام سيّدنا الوزير[أطال اللّه بقاءه] [٢] ، فإنّ هذا الفعل، تاريخ الكرم، [و غاية تسامي الهمم] [٣] [٢٣ ط] و به يتحقّق ما يروى عن الأسلاف من الأجواد، و الماضين من الكرماء الأفراد، و غير ذلك، ممّا حضرني في الحال.
ثم نهض أبو محمّد رحمه اللّه، فارتفعت الضجّة من النساء، و الرجال، و أهل الدار، و الشارع، بالدعاء له، و الشكر.
[١] أبو عبد اللّه محمد بن الحسن بن القاسم، و والده الحسن بن القاسم الملقب بالداعي، إمام الزيدية الذي قام بالري و قتل سنة ٣١٦، و كان أبو عبد اللّه هذا مقيما ببغداد، و لم يكن ما بينه و بين الوزير المهلبي عامرا، و لكن معز الدولة كان يجله كثيرا، و بلغ من إجلاله له، أنه دخل عليه يوما و هو مريض، فقبل يده استشفاء بها، و حدث أن غاب معز الدولة في السنة ٣٥٣ عن بغداد، فلقي أبو عبد اللّه ما ساءه من أحد أتباع عز الدولة بختيار بن معز الدولة، فغضب، و ترك بغداد إلى بلد الديلم، حيث اجتمع عليه عشرة آلاف رجل، و تلقب بالمهدي لدين اللّه، و ظفر في عدة حروب، و توفي في السنة ٣٥٩ (تجارب الأمم ١/٢٠٧-٢١٦ و ٢/٧٨) .
[٢] وردت في ط.
[٣] وردت في ط.