نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٠ - ٩ حكاية تدل على دهاء التاجر أبي عبد اللّه بن الجصّاص
و مثل قوله و قد وصف مصحفا بالعتق، فقال: هو كسرويّ [١] ، و أمثال هذا على كثرته عنه، و تواتر الرواية له.
فقال لي: أمّا أمر المقعدة، و إي لعمري، و ما كان من هذا الجنس، فكذب، و ما كانت فيه سلامة [٢] تخرجه[١١ ب]إلى هذا، و ما كان إلاّ من أدهى الناس و أخبثهم [٣] ، و لكنّه كان يطلق بحضرة الوزراء قريبا ممّا حكي عنه، بسلاسة طبع [٤] كانت فيه، و لأنّه كان يحبّ أن يصوّر نفسه عندهم بصورة الأبله، ليأمنه الوزراء، لكثرة خلواته بالخلفاء، فيسلم عليهم، و أنا أحدّثك عنه بحديث حدّثنا به، لتعلم معه إنّه كان في غاية الحزم، و إنّ فاعله لا يجوز عليه مثل ما حكي عنه.
فقلت: أحبّ أن تفعل.
قال: حدّثنا أبي قال: إنّ أبا الحسن بن الفرات [٥] ، لما ولي بعض
[١] كتاب الهفوات ١٤٨.
[٢] السلامة: يقصد بها الغفلة.
[٣] في ط: أعنتهم.
[٤] في ط: لسلامة طبع.
[٥] أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات: بنو الفرات أصلهم من أعمال دجيل، و هم من أجل الناس فضلا و كرما و نبلا، و وفاء، و مروءة، و كان أبو الحسن علي بن الفرات من أجل الناس و أعظمهم كرما و جودا، وزر للمقتدر أول مرة لما وقعت له الفتنة، و خلع، و بويع ابن المعتز، ثم استظهر المقتدر و استقرت الخلافة له، و ولي ابن الفرات الوزارة ثلاث دفعات للمقتدر، و كان إذا ولي الوزارة يغلو الشمع و الثلج و الكاغد، لكثرة استعماله لها، لأنه ما كان يشرب أحد كائنا من كان في داره، في الفصول الثلاثة، إلا الماء المثلوج، و ما كان أحد يخرج من عنده بعد المغرب إلا و بين يديه شمعة كبيرة نقية، صغيرا كان أو كبيرا، و كان في داره حجرة معروفة «بحجرة الكاغد» ، كل من دخل و احتاج إلى شيء من الكاغد أخذ حاجته منها. و قد وزر أول مرة، في السنة ٢٩٦، و ثاني مرة سنة ٣٠٤، و وزر للمرة الثالثة في السنة ٣١١، فأطلق يد ولده المحسن في- الناس، فآذاهم و عذبهم، فتألبوا عليه، و أفسدوا رأي المقتدر، فقبض عليه و على ولده في السنة ٣١٢ و قتلهما صبرا. (الكامل لابن الأثير ٨/١٤٩، الفخري ٢٦٥) .