نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٦ - ١٠ حكاية تدل على ذكاء التاجر أبي عبد اللّه بن الجصّاص
١٠ حكاية تدل على ذكاء التاجر أبي عبد اللّه بن الجصّاص
حدّثني أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن بكر بن داسة، قال: حدّثني بعض شيوخنا قال:
كنّا بحضرة أبي عمر القاضي [١] ، فجرى ذكر ابن الجصّاص و غفلته، فقال أبو عمر: معاذ اللّه ما هو كذلك، و لقد كنت عنده منذ أيّام مسلّما، و في صحنه سرادق [٢] مضروب، فجلسنا بالقرب منه نتحدّث، فإذا بصرير نعل من خلف السرادق فصاح: يا غلام جئني بمن مشت خلف السرادق الساعة، فأخرجت إليه جارية سوداء.
فقال: ما كنت تعملين هاهنا؟ قالت: جئت إلى الخادم أعرّفه أنّي قد فرغت من الطبيخ، و أستأذن في تقديمه. فقال: انصرفي لشأنك.
فعلمت أنّه أراد أن يعرّفني أنّ ذلك الوطء وطء سوداء مبتذلة، و أنّها ليست من حرمه و لا ممّن يصونه، فيزيل عنّي أن أظنّ به مثل ذلك في حرمه، فكيف يكون هذا مغفّلا؟
[١] أبو عمر القاضي: محمد بن يوسف بن يعقوب الأزدي، ولد بالبصرة سنة ٢٤٣ و كان ثقة، فاضلا، غزير العقل و الحلم و الذكاء، و يضرب المثل بعقله و سداده و حلمه، فيقال في العاقل الرشيد: كأنه أبو عمر القاضي، و في الحليم: لو أني أبو عمر ما صبرت، ولي قضاء مدينة المنصور و الأعمال المتصلة بها في السنة ٢٦٤ و جلس في جامع المدينة ثم استخلفه أبوه على القضاء بالجانب الشرقي إلى سنة ٢٩٢ ثم صرف عن القضاء سنة ٢٩٧ و في السنة ٣١٧ قلد قضاء القضاة، و توفي في السنة ٣٢٠ (المنتظم ٦/٢٤٦) .
[٢] السرادق: الخيمة، أو الفسطاط الذي يمد في صحن البيت.