نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٢ - الجزء الأول
إلاّ فيها، و ليستفيد منها العاقل اللبيب، و الفطن الأريب، إذا طرقت سمعه، و خالطت فهمه، من آداب النفس، و لطافة الذهن و الحسّ، ما يغنيه عن مباشرة الأحوال، و تلقّي مثله من أفواه الرجال، و يحثّه على العلم [١] بالمعاش و المعاد، و المعرفة بعواقب الصلاح و الفساد، و ما تفضي إليه أواخر الأمور، و يساس به كافة الجمهور، و يجنّبه من المكاره حتى لا يتوغل في أمثالها، و لا يتورّط بنظائرها و أشكالها، و لا يحتاج معها إلى إنفاد [٢] عمره في التجارب، و انتظار ما تكشفه له السنون من العواقب.
فأوردت ما كتبته ممّا كان في حفظي سالفا، مختلطا بما سمعته آنفا، من غير أن أجعله أبوابا مبوّبة، و لا أصنّفه أنواعا مرتّبة، لأن فيها أخبارا تصلح أن يذاكر بكلّ واحد منها في عدّة معاني [٣] و أكثرها ما لو شغلت نفسي فيه، بالنظم و التأليف، و التصنيف و الترتيب، لبرد و استثقل، و كان إذا وقف قارئه على خبر من أوّل كلّ باب فيه، علم أن مثله باقيه، فقلّ لقراءة جميعه ارتياحه و نشاطه، و ضاق فيه توسّعه و انبساطه، و لكان ذلك أيضا يفسد ما في أثنائه من الفصول و الأشعار، و الرسائل و الأمثال، و الفصول التي إن رتّبت على الأبواب وجب أن توصل بما تقدّم من أشباهها، و تردّد في الكتب من أمثالها، فينتقض ما شرطناه، و يبطل[٥ ط]ما ذكرناه، من أنّ هذه الأخبار جنس لم يسبق إلى كتبه [٤] ، و أنا إنّما تلقّطتها من الأفواه دون الأوراق، و يخرج بذلك عن القصد و المراد، و الغرض
[١] في ب: و يحنكه في العلم.
[٢] أنفد: أفنى.
[٣] في ب: مكان.
[٤] يعني لم يسبق إلى كتابته، يقال: كتب كتبا و كتابا و كتبة و كتابة: يعني صور اللفظ بحروف المعجم.