نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٦١ - ٢٢ أبو عمر القاضي يعامل بالجميل رجلا زوّر عنه رقعة بطلب التصرّف
فشكره أبو عمر، و خاطبه بما أو همه فيه انّها رقعته، من غير أن يطلق ذلك، و كان أفعل الناس لهذا، و أقدرهم على أن يتكلّم دائما في الأمور بما يحتمل معنيين، و يحتاج إلى تفسير للمقصد، توقّيا منه، و دهاء.
و قال أبو عمر: فليطلب الرجل، إن كان حاضرا و يدخل، فطلبوه و أدخلوه، و قد امتقع لونه.
فقال له ابن الحواريّ: أنت الموصل لرقعة القاضي أعزّه اللّه؟ فقال: نعم.
فقال له أبو عمر: إنّه أعزّه اللّه قد وعد بتصريفك و الإحسان إليك، فالزمه.
قال: و تحدّثا ساعة، و نهض أبو عمر، و قال لي سرّا: [٢٠ ط]جئني به. فتأخّرت و ونّسته [١] ، و حملته إليه، فدخلت عليه به و هو خال ينتظرنا وحده.
فقال له: ويلك، أ تزوّر على خطّي، و أنا حاكم، و خطّي ينفذ في الأموال و الفروج و الدماء؟ما كان يؤمنك أن أعرّف أبا القاسم أمرك فتصير نكالا.
فبكى الرجل و قال: و اللّه، أيّها القاضي، ما حملني على ذلك إلاّ عدم القوت، و شدة الفقر، و أنّي وثقت بكرمك ففعلت ذلك، إذ كان غير متّصل بحكم و لا شهادة، و قدّرت أيضا أنّ ذلك ينستر عنك، و أنتفع أنا من حيث لا يضرّك.
فقال له أبو عمر: اللّه إنّ الفقر حملك على هذا؟ فقال: إي و اللّه، فبكى أبو عمر، و سارّ خادما له، فغاب الخادم قليلا،
[١] بمعنى آنسته: لغة بغدادية.