نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٤ - ٩ حكاية تدل على دهاء التاجر أبي عبد اللّه بن الجصّاص
معاملة، و لا تضع منّي، و تزيد في رفعتي، و ذكري بالجميل، و لا تبغي لي الغوائل، و لا تدسّس عليّ المكاره، و لا تشرع لي في سوء و لا نكبة أبدا، ظاهرا و لا باطنا، و تفعل... و تفعل... ، فاشترطت عليه الأمن من كلّ ما كنت أخافه منه.
فقال: و تحلف أنت أيضا بمثل هذه اليمين على جميل النيّة، و حسن الطاعة، و المؤازرة.
فقلت: أفعل.
فقال: لعنك اللّه فما أنت إلاّ إبليس، سحرتني و اللّه.
و استدعى دواة، و عملنا[١٣ ب]نسخة اليمين، فأحلفته بها أوّلا، ثم حلفت له.
فلما أردت القيام، قال: يا أبا عبد اللّه لقد عظمت في نفسي و خفّفت ثقلا عنّي، فو اللّه ما كان المقتدر [١] يفرّق بيني مع كفايتي و غنائي و موقعي، و بين أخسّ كتّابي-كما ذكرت-مع المال الحاضر، فليكن ما جرى مطويّا.
فقلت: سبحان اللّه.
[١] المقتدر: أبو الفضل جعفر بن المعتضد باللّه ولد سنة ٢٨٢، و في أيامه اضمحلت الدولة العباسية و صغرت، فتسمى أمير الأندلس عبد الرحمن الناصر بأمير المؤمنين و لقب بالناصر لدين اللّه، و قد خلع المقتدر مرتين و اعيد، و طالت خلافته خمسا و عشرين سنة، و عاش ثمانيا و ثلاثين سنة، و قتل في المعركة، قتله رجال مؤنس في السنة ٣٢٠، و كان مؤثرا للعب و الشهوات غير ناهض بأعباء الخلافة، و كانت أمه و خالته و القهرمانة يدخلن في الأمور الكبار و الحل و العقد، و كان عظيم الإسراف حتى قيل إنه ضيع من الذهب ثمانين ألف ألف دينار و كان في داره عشرة آلاف خصي من الصقالبة. (شذرات الذهب ٢/ ٢٨٤) .