نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٢ - ٩ حكاية تدل على دهاء التاجر أبي عبد اللّه بن الجصّاص
فدخل، فأبطأ ساعة، ثم خرج، فأدخلني من دار إلى أخرى، حتى انتهيت إلى مرقده، و هو على سرير و حواليه نحو خمسين فراشا لغلمان له، كأنّهم حفظة، و قد قاموا، و بعض الفرش تنقل، و هو جالس في فراشه، مرتاعا، قد ظنّ أنّ حادثة حدثت، أو أنّي جئته برسالة الخليفة، و هو متوقّع لما أورده.
فرفعني، و قال: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ فقلت: خير، ما حدثت حادثة، و لا معي رسالة، و ما جئت إلاّ في أمر يخصّ الوزير و يخصّني، لم تصلح مفاوضته فيه إلاّ على خلوة شديدة.
فسكن، ثم قال لمن حوله: انصرفوا، فمضوا.
و قال: هات.
فقلت: أيّها الوزير إنّك قد قصدتني أقبح قصد، و شرعت في هلاكي، و إزالة نعمتي، و في إزالتها خروج نفسي، و ليس من النعمة و النفس عوض، و لعمري انّي قد أسأت في خدمتك، و قد كان في بعض هذا التقويم بلاغ [١٢ ب]عندي، و قد جهدت في استصلاحك بكلّ ما قدرت عليه، و وسّطت [١١ ط]بيني و بينك فلانا، و بذلت كذا، و قلت [١] كذا، فأبيت إلاّ الإقامة على أذاي، و ليس شيء أضعف من السنّور، و إذا عاثت في دكّان بقّال، فظفر بها، و لزّها إلى الزاوية ليخنقها، و ثبت عليه، فخدشت وجهه و بدنه، و مزّقت ثيابه، و طلبت الحياة بكلّ ما يمكنها، و قد وجدت نفسي معك في مثل هذه الصورة، و لست أضعف بطشا من السنّور، و قد جعلت هذا الكلام عذرا بيننا، فإن نزلت تحت حكمي في الصلح، و إلاّ فعليّ و عليّ، و حلفت له بأيمان غليظة، لأقصدنّ الخليفة الساعة،
[١] في ب: و قبلت.