نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١١ - الجزء الأول
و الآداب، أكثر ممّا كان قديما أو مثله، و لكن تقبّل أرباب تلك الدول [٤ ط]للأدب أظهره و نشره [١] ، و زهد هؤلاء الآن في هذا الأدب غمره و ستره، و لهذه الحال ما انطمست المحاسن في هذه الدول، و ردّت أخبار هؤلاء الملوك، و خلت التواريخ من عجائب ما يجري في هذا الوقت، لأنّ ذوي الفضل لا يفنون أعمارهم بتشييد مفاخر غيرهم، و إنفاق نتائج خواطرهم، مع بعدهم عن الفائدة، و خلوّهم من العائدة، و أكثر الملوك و ذوي الأحوال، و الرؤساء و أرباب الأموال، لا يجودون عليهم فيجيد هؤلاء لهم نسج الأشعار و الخطب، و حوك الرسائل و الكتب التي تبقى فيها المآثر، ما أقام الدهر الغابر، فقد بخل هؤلاء، و غفل هؤلاء، و رضي كلّ واحد من الفريقين بالتقصير فيما يجده، و النقص فيما يعتمده، و إلاّ فقد خرج في أعمارنا و ما قاربها من السنين، من مكنون أسرار العلم، و ظهر من دقيق الخواطر و الفهم، ما لعلّه كان معتاصا [٢] على الماضين، و ممتنعا على كثير من المتقدمين، و جرت في هذه المدّة من الحوادث الكبار، و الوقائع العظام[و الانقلابات العجيبة] [٣] ، و الاتّفاقات الغريبة، و الحيل الدقيقة، و الأمور المحكمة الوثيقة، التي لا يوجد مثلها سالفا. في أضعاف هذه السنين مضاعفا، ما لو قيّد بتأليف الكتب، و حفظ بتصنيف الأشعار فيه و الخطب، أو خلّد على شرحه في تواريخ السنين و الحقب، لأوفى على ما سلف، و تقدّم في علوّ الرتب.
و قد أثبتّ من هذا أيضا طرفا طفيفا، و نبذا موجزا[٥ ب]خفيفا، لئلاّ تخرج هذه الأخبار عن سبيلها، و لا تخلو مع ذلك من فنون لا توجد
[١] في ط: و سيره.
[٢] اعتاص الأمر: اشتد و امتنع و التاث.
[٣] الزيادة من ب.