نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣٣ - ٦٨ قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدّة
قال محمد بن يزداد: فقال لي: يا هذا، قد عرفت ما تقدّم به إليك الخليفة في أمري، و و اللّه ما رأيت هذا المال، و لا نصفه، و لا ثلثه قط، و لا يحتوي عليه ملكي، و لعلّ الخليفة يريد دمي، و قد جعل هذا إليه طريقا، و قد تفضّلت عليّ بما لا يسعني معه أن أدّخر جهدا في تجميلك عند صاحبك، و قد كتبت تذكرة بجميع ما يحتويه ملكي، ظاهرا و باطنا، و هي هذه، و سلّمها إليّ، و إذا هي تشتمل على ثلاثة آلاف ألف درهم، و عليّ، و عليّ، و حلف بالطلاق و العتاق، و الأيمان المغلّظة، ما تركت لنفسي بعد ذلك، إلاّ ما عليّ من كسوة تستر عورتي، و هذا و سعي، و جهدي، فإن رأيت أن تأخذه، و تسأل الخليفة الرضا به منّي، فإن فعل فقد خلّصني اللّه بك، و نجّاني من القتل على يدك، و إن أبى، فإنّه يسلمني إلى عدوّي الفضل بن مروان [١] ، و هو القتل، و و اللّه، لا أعطيت على هذا الوجه، درهما واحدا، و لا كنت ممن يجيء على الهوان، دون الإكرام، و سأتلف، و لا يصل الخليفة إلى حبّة من مالي، و لكنّ المنّة لك عليّ حاصلة [٢] ، فإن عشت شكرتها، و إن متّ فاللّه مجازيك عنّي.
قال: فأخذت التذكرة، و رحت إلى المأمون.
فقال: ما عملت في أمر عمرو بن نهيوي؟ فقلت: إنّه قد بذل ألفي ألف درهم، و ليس عنده أكثر من ذلك.
[١] الفضل بن مروان: أول وزراء المعتصم، و كان كاتبه قبل الخلافة، في الفخري (ص ٢٣٢) أنه كان من البردان، و كان عاميا لا علم عنده و لا معرفة، و كان رديء السيرة، جهولا بالأمور، قد تمكن من المعتصم، و حسده الناس على منزلته عنده، ثم نكبه و أخذ جميع أمواله، و عفا عن نفسه، فبقي مدة يتنقل في الخدمات حتى مات في أيام المستعين.
[٢] في ب: خالصة