نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٨ - الجزء الأول
و الخوف من ملل يلحق السامعين لعلومهم و حكمهم، نفيا للمساكنة، و اجترارا للمثافنة [١] ، وصلة للمجالسة، و فتحا للمؤانسة، و سبرا [٢] لأحاديث الدنيا ماضيها و باقيها، و تواصفا لسير أهلها و ما جرى فيها، و تمثيلا بين ما شاهدوه منها، و سمعوه عنها، [و عابوه من فعلها] [٣] و عانوه من تقلّبها، و قاسوه من تصرّفها، و أخبروا به من عجائبها، و يوردون كل فنّ من تلك الفنون على حسب ما تقتضيه المحادثة، و تبتغيه المفاوضة، فأحفظ عنهم ذلك في الحال و أتمثّل به و أستفيده في أحوال.
فلمّا تطاولت السنون، و مات[أكثر أولئك] [٤] المشيخة الذين كانوا مادّة هذا الفنّ، و لم يبق من نظرائهم إلاّ اليسير الذي إن مات و لم يحفظ عنه ما يحكيه، مات بموته ما يرويه، و وجدت أخلاق ملوكنا[٣ ب] و رؤسائنا لا تأتي من الفضل، بمثل ما تحتوي عليه تلك الأخبار من النّبل، فيستغنى بما يشاهد من نظيره، عن حفظ ما سلف و تحبيره، بل هي مضادّة لما تدلّ عليه تلك الحكايات من أخلاق المتقدّمين و ضرائبهم، و طبائعهم و مذاهبهم، حتى إنّ من بقي من هؤلاء الشيوخ إذا ذكر ما يحفظه من هذا الجنس بحضرة أرباب الدولة، و رؤساء الوقت، خاصّة ما كان منه متعلّقا بالكرم، و دالا على حسن الشيم، و متضمّنا ذكر و فور النعم، و كبر الهمم، و سعة الأنفس، و غضارة الزمان [٥] ، و مكارم الأخلاق، كذّبوا به و دفعوه، و حصّلوه في أقسام الباطل و استبعدوه، ضعفا عن إتيان مثله، و استعظاما منهم لصغير ما وصلوا إليه، بالإضافة إلى كبير
[١] المثافنة: المجالسة و المحاورة.
[٢] في ب و ط: سيرا، و الصحيح ما اثبتناه، و السبر: التجربة و الاختبار.
[٣] الزيادة من ط.
[٤] الزيادة من ط.
[٥] الغضارة: النعمة و طيب العيش.