الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٩٠
١- الإنسان:
كل حي يشارك الجمادات في أمور، وكل إنسان يشارك الحيوان غير الناطق في أمور، "فالحي والجماد يشتركان فيما يوجد للاسطقس الذي ركبا منه، مثل السقوط إلى أسفل طوعًا، والصعود إلى أعلى قهرًا، ويشارك الإنسان الحيوان غير الناطق في النفس الغاذية والمولدة والنامية، كما يشاركه في الإحساس والتخيل والتذكر، وما يوجد عنها مما هو للنفس. لكن الإنسان يمتاز عن الحيوان غير الناطق، وعن الجماد والنبات بالقوة الفكرية، وهو لا يكون إنسانًا إلا بها.
والإنسان بما هو حيوان تلحقه الأفعال التي لا اختيار له فيها أصلًا، كالإحساس. لكنه بما هو إنسان له أفعالًا لا توجد لغيره من الموجودات، "والأفعال الإنسانية الخاصة به هي ما يكون باختياره، فكل ما يفعله الإنسان باختيار فهو فعل إنساني، وكل فعل إنساني فهو فعل باختيار، وأعني بالاختيار: الإرادة الكائنة عن روية١".
أما الانفعالات العقلية إن جاز أن يكون في العقل انفعال "الموضع نفسه" -فلا يختص بها الإنسان، بل يشاركه فيها الحيوان: مثل الإلقاء في الروع، والهرب من مفزع، وسائر الانفعالات، "والفعل البهيمي هو الذي يتقدمه في النفس الانفعال النفساني فقط، مثل التشهي أو الغضب أو الخوف، وما شاكله، والإنساني هو ما يتقدمه أمر يوجبه، عند فاعله، الفكر، سواء تقدم الفكر انفعال نفساني أو أعقب الفكر ذلك ... فالبهيمي "هو" المحرك فيه ما يحدث في النفس البهيمية من الانفعال، والإنساني هو المحرك فيه ما يوجد في النفس من رأي، أو اعتقاد". ومعظم أفعال الإنسان مركب من بهيمي وإنساني، وقلما يوجد البهيمي خلوًا من الإنساني.
"فأما من يفعل الفعل لأجل الرأي والصواب، ولا يلتفت إلى النفس البهيمية، ولا ما يحدث فيها، فذلك الإنسان أخلق به أن يكون فعله ذلك إلهيًا من يكون إنسانيًا، فلذلك يجب أن يكون هذا الإنسان فاضلًا، بالفضائل الشكلية٢، حتى يكون متى قضت النفس الناطقة بشيء لم تخالف النفس البهيمية، بل قضت بذلك الأمر، من جهة أن الرأي قضى به ... ولذلك
١ ابن باجه: "تدبير المتوحد" ضمن مجموعة "رسائل ابن باجه الإلهية" ص٤٦، بيروت سنة ١٩٦٨.
٢ هكذا في النسخ والمطبوعات، ولكن معناها غير واضح، فهل صوابها: "الكلية"؟