الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٨٩
ومن يحزن يؤذ نفسه، ومن يؤذ نفسه يكن أحمق ظالمًا، ولهذا يجدر بنا أن ننتظر حتى يقع الدافع إلى الحزن وألا نستبقه.
وإذا ما وقع، فعلينا أن نقصر من مدة الحزن ما استطعنا، وإلا كان ذلك حمقًا وظلمًا.
٢- وثاني الأدوية أن نتذكر الأمور المحزنة، التي تعزينا عنها منذ وقت طويل، والأمور المحزنة التي عاناها الآخرون وتعزو عنها، ثم نعد حالة الحزن الماثلة الآن متشابهة لتلك الأحوال المحزنة الماضية والتي تعزينا عنها، وبهذا نستمد قوة وصبرًا.
وبهذه المناسبة ينقل الكندي رسالة بعث بها الإسكندر الأكبر إلى أمه يعزيها، وهو على فراش الموت.
٣- وعلينا أن نتذكر أيضًا أن الرغبة في ألا نصاب بشقاء، هو كالرغبة في عدم الوجود؛ لأن المصائب تأتي من كوننا كائنات فانية هالكة، وإذا لم يكن هناك فساد، لم يكن هناك كون، فإن أردنا أن ننجو من المصائب، فإننا نريد بذلك ألا يكون هناك كون ولا فساد، وهذا محال.
٤- وعلينا أن نتذكر أيضًا أن ما بين أيدينا مشترك بين الناس جميعًا، وأنه في حوزتنا على سبيل العارية فقط، وليس لنا من الحق فيه أكثر ممن لغيرنا، ومن يملكه إنما يملكه طالما كان في حوزته فقط، ما هو في حوزتنا دائمًا هو الخيرات الروحية وحدها، وهي التي يحق للإنسان أن يحزن لفقدها.
٥- وعلينا أن نتذكر أيضًا أن كل ما نملكه مما هو ملك مشترك، هو لدينا بمثابة عارية ممن أعاره وهو الخالق، فله إذن أن يسترده كلما شاء ليعطيه لإنسان آخر. ولو لم يعطه لمن شاءه لما وصل إلينا أبدًا.
وإذا لم يسترد المعير إلا أخس ما أعارنا، فهو كريم معنا إلى أقصى درجة، وعلينا أن نسر بهذا غاية السرور؛ لأنه ترك لنا أشرف ما أعارنا، وعلينا ألا نحزن لما استرد، وتلك علامة دالة على حبه لنا وإيثاره إيانا.