الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٤٠
لعين ما كان، والثاني، وهو تقرير بقاء النفس ورده إلى ذلك البدن بعينه، باطل؛ لأنه لو عاد لكان ذلك عودًا إلى تدبير البدن بعد مفارقته، وهذا محال؛ لأن بدن الميت ينحل ترابًا، أو تأكله الديدان والطيور، ويستحيل دمًا وبخارًا وهواء، ويمتوج بهواء العالم وبخاره، ومائه امتزاجًا يبعد انتزاعه واستخلاصه.
والثالث، وهو رد النفس إلى بدن إنساني من أية مادة كانت، وأي تراب اتفق -محال من وجهين: أحدهما أن المواد القابلة للكون والفساد محصورة في مقعر فلك القمر لا يمكن عليها مزيد، وهي متناهية، والأنفس المفارقة للأبدان غير متناهية، فلا تفي بها، والثاني أن التراب لا يقبل تدبير النفس ما بقي ترابًا، بل لا بد أن تمتزج العناصر امتزاجًا يضاهي امتزاج النطفة.
والغزالي يختار هذا القسم الثالث، ولا يرى مانعًا من ذلك شرعيًا.
المسلك الثاني أنهم قالوا: "ليس في المقدور أن يقلب الحديد ثوبًا منسوجًا بحيث يتعمم به، إلا بأن تحلل أجزاء الحديد إلى العناصر بأسباب تستولي على الحديد، فتحلله إلى بسائط العناصر، ثم تجمع العناصر وتدار في أطوار الخلقة، إلى أن تكتسب صورة القطن، ثم يكتسب القطن صورة الغزل، ثم الغزل يكتسب الانتظام المعلوم الذي هو النسج على هيئة معلومة ... وإذا عقل هذا فالإنسان المبعوث المحشور لو كان بدنه من حجر، أو ياقوت أو در أو تراب محض، لم يكن إنسانًا، بل لا يتصور أن يكون إنسانًا، إلا أن يكون متشكلًا بالشكل المخصوص، مركبًا من العظام والعروق واللحوم، والغضاريف والأخلاط ... فإذن لا يمكن أن يتجدد بدن إنسان لترد النفس إليه بهذه الأمور"١.
تلك حجج الفلاسفة في إنكار بعث الأجساد ورد الأرواح إلى الأبدان، ووجود النار الجسمانية، ووجود الجنة الجسمانية وسائر أمور المعاد.
١ الغزالي: "تهافت الفلاسفة" ص٢٤٨.