الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٣٦
علم الله بالجزيئات
...
ب- علم الله بالجزئيات:
والمسألة الثانية التي كفر الغزالي بها الفلاسفة المسلمين هي: علم الله بالجزئيات.
ويرى ابن رشد أن الغزالي غلط في ذلك؛ لأنهم لا يقولون: إن الله لا يعلم الجزئيات أصلًا "بل يرون أنه -تعالى- يعلمها بعلم غير مجانس لعلمنا بها، وذلك أن علمنا بها معلول للمعلوم، فهو محدث بحدوثه ومتغير بتغيره. وعلم الله -سبحانه- بالوجود على مقابل هذا: فإنه علة للمعلوم الذي هو الموجود، ومن شبه المعلمين أحدهما بالآخر، فقد جعل ذوات المتقابلات وخواصها واحدًا، وذلك غاية الجهل"١.
ويشرح هذا القول بأن يقول في "الضميمة" الملحقة عادة بكتاب "فصل المقال"، وفيها يوضح مسألة علم القديم سبحانه، فيقول: "إن الحال في العلم القديم "أي علم الله الأزلي"، مع الموجود خلاف الحال في العلم المحدث "أي علم الإنسان المتوقف على الموجودات" مع الوجود. وذلك أن وجود الموجود هو علة وسبب لعلمنا، والعلم القديم هو علة وسبب للموجود، فلو كان، إذا وجد الموجود بعد أن لم يوجد، حدث في العلم القديم علم زائد، كما يحدث ذلك في العلم المحدث، للزم أن يكون العلم القديم معلولًا للموجود، لا علة له، فإذن واجب أن لا يحدث هنالك تغير كما يحدث في العلم المحدث.
وإما أتى هذا الغلط من قياس العلم القديم على العلم المحدث، وهو قياس الغائب على الشاهد، وقد عرف فساد هذا القياس، وكما أنه لا يحدث في الفاعل تغير عند وجود مفعوله، أعني تغيرًا لم يكن قبل ذلك، كذلك لا يحدث في علم القديم سبحانه تغير عند حدوث معلوم عنه"٢.
وإذن ليس يعلم الله الموجود حين حدوثه، وإنما يعلمه بعلم قديم.
"فإذن العلم القديم إنما يتعلق بالموجودات على صفة غير الصفة التي يتعلق بها العلم المحدث، لا أنه غير متعلق أصلًا، كما حكي عن الفلاسفة أنهم يقولون، لموضوع هذا الشك، أنه سبحانه لا يعلم الجزئيات، وليس الأمر على ما توهم عليهم، بل يرون أنه لا يعلم الجزئيات بالعلم المحدث الذي من شرطه الحدوث بحدوثها، إذ كان علة لها، لا معلولًا عنها كالحال في العلم المحدث، وهذا هو غاية التنزيه الذي يجب أن يعترف به"٣.
١ ابن رشد: "فصل المقال" ص٣٩.
٢ ابن رشد: "ضميمة" في "فصل المقال" ص٦١.
٣ الكتاب نفسه ص٦٢.