الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٣٤
٤- كل حادث تسبقه مادة، إذ لا يستغني الحادث عن مادة، فالمادة إذن قديمة، فالعالم قديم.
ويرد الغزالي على هذه الحجج، فينبري ابن رشد للدفاع عنها، وإبطال ردود الغزالي، مبينًا أنه إنما يقابل إشكالات بإشكالات، وهذا إنما يقتضي حيرة وشكوكًا، لا إبطالًا للإشكال الذي يقبله، وهذه معاندة غير تامة، بينما "المعاندة التامة إنما هي التي تقتضي إبطال مذهبهم بحسب الأمر في نفسه، لا بحسب قول القائل به" "ص٢٠٨ من "تهافت التهافت"، القاهرة سنة ١٩٦٤".
وخلاصة الرأي عند ابن رشد أنه: "إن كانت حركات الأجرام السماوية، وما يلزم عنها أفعالا لموجود أزلي، غير داخل وجوده في الزمان الماضي، فواجب أن تكون أفعاله غير داخلة في الزمان الماضي" "الكتاب نفسه، ص ٢١٦".
ويتفرع على ذلك أن العالم، كما أنه "أزلي لا بداية لوجوده، فهو أبدي لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده وفناؤه، بل لم يزل كذلك، ولا يزال أيضًا كذلك، وأدلتهم الأربعة التي ذكرناها في الأزلية جارية في الأبدية، فإنهم يقولون أن العالم معلول علته أزلية أبدية، فكان المعلول مع العلة. ويقولون: إذا لم تتغير العلة، لم يتغير المعلول"١.
ويؤيد ابن رشد رأي الفلاسفة هذا بقوله: إنه "يمتنع عندهم أن ينعدم الشيء إلى لا موجودًا أصلًا؛ لأنه لو كان كذلك، لكان الفاعل يتعلق فعله بالعدم أولًا بالذات"٢.
ويؤول ابن رشد الآيات الواردة في الأنباء عن إيجاد العالم، فيقول في "فصل المقال" "ص٤٢-٤٣": "إن ظاهر الشرع إذا تصفح، ظهر من
١ الغزالي: "تهافت الفلاسفة" ص٨١. بيروت سنة ١٩٦٢.
٢ ابن رشد: "تهافت التهافت" ص٢٤٨-٢٤٩، القاهرة سنة ١٩٦٤.