الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٧٤
لأن غير العارف يؤثر شيئًا غير الحق، وهو نيل الثواب والنجاة من العقاب، أما العارف لا يتعلق إلا بالحق وحده دون أي هدف آخر.
أما من يجعل الحق واسطة في تحصيل شيء، فإنه لم يطعم لذة البهجة به، وما مثله بالقياس إلى العارفين إلا كمثل الصبيان بالقياس إلى المخنثين، وزهد غير العارف زهد على كره، فعلى الرغم من أنه في صورة الزاهد إلا أنه أحرص الخلق على اللذات الحسية، فإن التارك شيئًا ليستأجل أضعافه أقرب إلى الطمع منه إلى القناعة"، كما قال الطوسي في شرحه١، "وإنما يعبد الله تعالى ويطيعه، ليخوله في الآخرة شبعه منها، فيبعث إلى: مطعم شهي، وشرب هني، ومنكح بهي"، أما العارف، وهو "المستبصر بهداية القدس في شجون الإيثار، فقد عرف اللذة الحق، وولى وجهه سمتها"، كما قال ابن سينا٢.
وأولى درجات حركات العارفين: الإرادة، وهي "ما يعتري المستبصر باليقين البرهاني، أو الساكن النفسي إلى العقد الإيماني -من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى، فيتحرك سيرة إلى القدس، ينال من روح الاتصال، وما دامت درجته هذه، فهو مريد".
والمريد يحتاج إلى الرياضة، والرياضة متوجهة إلى ثلاثة أغراض:
الأول: تنحية ما دون الحق عن مستن الإيثار٣.
والثاني: تطويع النفس الأمارة -للنفس المطمئنة، لتنجذب قوى التخيل والوهم إلى التوهمات المناسبة للأمر القدسي، منصرفة عن التوهمات المناسبة للأمر السفلي.
والثالث: تلطيف السر للتنبه.
١ الكتاب نفسه ص٨١٧، هامش.
٢ الكتاب نفسه ص٨١٨.
٣ مستن الإيثار: طريقة التفضيل والاختيار.