الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١١٤
والحشمة، سعوا عند أبي يوسف "يعقوب المنصور بالله"، بأن أخذوا بعض التلاخيص، فوجدوا فيه بخطه حاكيًا عن بعض الفلاسفة: "قد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة" -فأوقفوا أبا يوسف على هذا، فاستدعاه بمحضر من الكبار بقرطبة، فقال له: أخطك هذا؟ فأنكر، فقال: لعن الله كاتبه، وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أمر بإخراجه مهانًا، وبإبعاده، وإبعاد من تكلم في شيء من هذه العلوم، وبالوعيد الشديد، وكتب إلى البلاد بالتقدم إلى الناس في تركها. وبإحراق كتب الفلسفة، سوى الطب والحساب والمواقيت".
وإذا كان هذا قد فعله السلطان أبو يوسف يعقوب فعلًا، فلربما كان مجرد عرض هذا الكلام عليه فرصة فقط للبطش بابن رشد لأسباب شخصية، هي تلك التي أوردناها منذ قليل، أو لعله فعل ذلك أيضًا ابتغاء ترضي الفقهاء، والعالم في ذلك الوقت، لأسباب سياسية، وكان ذلك في وقت اشتد فيه الصراع بينه وبين الأسبان النصارى، وهي ظاهرة كثيرًا ما نشاهدها في أحوال الحكام، حين يشتد عليهم الأمر مع الأعداء، فيتملقون أهواء الفقهاء والعامة، وقد يؤيد هذا أن النقمة شملت غير ابن رشد، إذ شملت -كما نقل ابن أبي أصيبعة عن أبي مروان الباجي، جماعة من الأعيان أمر السلطان بتحديد إقامتهم في أماكن معينة؛ "لأنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الأوائل، وهؤلاء الجماعة "هم": أبو الوليد بن رشد، وأبو جعفر الذهبي، والفقيه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، قاضي بجاية"١.
فكانت هذه إذن حملة عامة شبيهة بما فعله المنصور بن أبي عامر من قبل٢.
غير أن المنصور بالله لما عاد بعد ذلك إلى مراكش، وتدخل بعض الناس لصالح هذه الجماعة، وشهدوا لأبي الوليد بن رشد بغير ما نسب
١ النص في رينان ص٣٤١.
٢ راجع عن حملة المنصور على المشتغلين بعلوم الأوائل، وإحراق كتبهم: صاعد الأندلسي، "طبقات الأمم"، ص٦٦ وما يليها، نشرة شيخو، بيروت، سنة ١٩١٢.