الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٧٥
ويمكن أن نفترض أنه تصور هذه العملية على غرار ما عرضت في "أثولوجيا" أرسطو طاليس "راجع خصوصًا الميمر العاشر".
لكن الفارق بين الكندي، وبين أفلوطين "المؤلف الحقيقي "لأثولوجيا" المنحول على أرسطو طاليس" هو أن الكندي، بوصفه مسلمًا، تصور الخلق على أنه من العدم، وهو تصور يتنافى مع تصور أفلوطين، وسائر الفلاسفة اليونانيين "أفلاطون، أرسطو، الرواقية، إلخ" بلا استثناء، ومن هنا نجد الكندي يلح مرارًا في توكيد فكرة الخلق من العدم، ويسميه "الإيجاد"، كما يسميه "التأييس"١، فهو يقول: "إن الفعل الحقي الأول تأييس الأيسات عن ليس" ""الرسائل" جـ١ ص١٨٢"، ويعرف الإبداع بأنه "إظهار الشيء عن ليس" ""الرسائل" جـ١ ص١٦٥"، ويقول عن فعل الله للخلق: "فعلة الإبداع هي الواحد الحق الأول" "الرسائل" جـ١ ص١٦٢".
ولسنا ندري كيف استطاع الكندي أن يوفق بين فكرة الإبداع، أو الخلق من العدم هذه، وبين قوله بصدور الأشياء بعضها عن بعض في تسلسل تنازلي!
على أننا لا نجد في كل ما تبقى لنا من رسائل الكندي براهين واضحة مفصلة لإثبات وجود الله، وإن أومأ إلى ذلك في ثنايا بعض الرسائل "راجع مثلًا "الرسائل" جـ٢ ص٦٢-٦٣".
أما صفات الله فيؤكد الكندي منها: الوحدة، وعدم الاضمحلال، وعدم قابلية النقص بجهة من الجهات وأنه "مبدع الكل، وممسك الكل،
١ "أيس" هي ضد "ليس". و"الأيس" هو وجود الشيء، و"الليس" هو العدم. ومن هنا جاء الفعل: أيس -أوجد، والمصدر: التأييس = الإيجاد، الخلق. وترد هذه الاصطلاحات في ترجمات المترجمين الأوائل "مثل ترجمة "ما بعد الطبيعة" التي قام بها أسطات للكندي، م٨ ف٢ ص١٠٤٢ ب س٢٥".