الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٣٨
وتلخيص مذهبهم أنهم لما وقفوا بالبراهين على أنه لا يعقل إلا ذاته، فذاته عقل ضرورة، ولما كان العقل، بما هو عقل، إنما يتعلق بالموجود، لا بالمعدوم، قام البرهان على أنه لا موجود إلا هذه الموجودات التي نعلقها نحن، فلا بد أن يتعلق عقله بها، وإذا وجب أن يتعلق بهذه الموجودات: فإما أن يتعلق بها على نحو تعلق علمنا بها -وإما أن يتعلق بها على وجه أشرف من جهة تعلق علمنا بها، وتعلق علمه بها على نحو تعلق علمنا بها: مستحيل، فوجب أن يكون تعلق علمه بها على نحو أشرف، ووجود أتم لها من الوجود الذي تعلق علمنا بها؛ لأن العلم الصادق هو الذي يطابق الموجود.
فإن كان علمه أشرف من علمنا، فعلم الله يتعلق من الموجود بجهة أشرف من الجهة التي يتعلق علمنا به، فللموجود إذن وجودان: وجود أشرف، ووجود أخس، والوجود الأشرف هو علة الأخس، وهذا هو معنى قول القدماء: إن الباري سبحانه وتعالى هو الموجودات كلها، وهو المنعم بها، والفاعل لها، ولذلك قال رؤساء الصوفية: لا هو إلا هو، ولكن هذا كله من علم الراسخين في العلم، ولا يجب أن يكتب هذا ولا أن يكلف الناس اعتقاد هذا، ولذلك ليس هو من التعليم الشرعي، ومن أثبته في غير موضعه فقد ظلم، كما أن من كتمه عن أهله فقد ظلم"١.
وبالجملة، فإن علم الله غير علمنا نحن، إذ علمنا معلول للموجودات، أما علم الله فهو علة لها، "ولا يصح أن يكون العلم القديم على صورة العلم الحادث. ومن اعتقد هذا، فقد جعل الإله إنسانًا أزليًا، والإنسان إلهًا كائنًا فاسدًا"٢.
١ ابن رشد: "تهافت التهافت" ص٧٠٣-٧٠٥.
٢ الكتاب نفسه ص٧١١.