الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٢٨
بل نقول: إنه ما من منطوق به في الشرع مخالف بظاهره لما أدى إليه البرهان، إلا إذا اعتبر الشرع، وتصفحت سائر أجزائه وجد في ألفاظه الشرع ما يشهد بظاهره لذلك التأويل، أو يقارب أن يشهد، ولهذا المعنى أجمع المسلمون على أنه ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل".
وهكذا يقرر ابن رشد بكل توكيد ما يلي:
١- أن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد عليه.
٢- فإذا اختلف ما نطق به الشرع مع ما أدى إليه البرهان العقلي، فيجب تأويل ظاهر الشرع ليتفق مع ما أدى إليه البرهان العقلي.
٣- والتأويل مباح، بدليل اللجوء إليه في الأحكام الشرعية، طالما كان ذلك لا يخل بعادة لسان العرب في استخدام المجازات.
٤- ويقطع ابن رشد بأن كل ما نطق به الشارع، وبدا في الظاهر مخالفًا لما أدى إليه البرهان العقلي، فمن الممكن تأويله بما يجعله متفقًا مع ما أدى إليه البرهان العقلي، أي أنه يقطع مقدمًا بإمكان تأويل ظاهر ما نطق به الشرع، ليتفق مع ما أدى إليه البرهان العقلي، والسبب في هذا التوكيد القاطع من جانبه هو ما ورد في رقم "١" من أن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد عليه، فما دام الشرع حقًا، وما أدى إليه البرهان هو حق، فإنهما لا بد أن يتفقا.
فإن سأل سائل: ولماذا لم يرد نطق الشرع صريحًا لا يحتاج إلى تأويل، فينحسم كل اختلاف؟ أجاب ابن رشد بأن "السبب في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن: هو اختلاف فطر الناس، وتباين قرائحهم في التصديق، والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينهما، وإلى هذا المعنى وردت الإشارة بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ... } إلى قوله: